د. محمد حيدر محيلان : السعودية تعيد هندسة سلاسل الإمداد… فهل يستثمر الأردن الفرص أم يفوّتها؟
سلاسل الإمداد في المنطقة لم تعد تتحرك وفق إيقاع مستقر، بل اصبحت تعاد هندستها تحت ضغط الأزمات والحروب. فالتوترات الإقليمية وارتفاع كلفة النقل وتعقّد الممرات التقليدية لم تُبطئ حركة التجارة، بل دفعتها إلى البحث عن حلول جديدة أكثر مرونة. وفي مثل هذا التحول، لا تكون المشكلة في غياب الفرص، بل في القدرة على استثمارها في الوقت المناسب. وهذا ما فعلته الحكومة السعودية بالفعل، عندما حولت التهديدات الى فرص واستثمرتها بنجاح.
في السياق اللوجستي وسلاسل الامداد، تسارعت خطوات المملكة العربية السعودية في تطوير منظومتها اللوجستية، ليس فقط عبر البنية التحتية، بل عبر ابتكار نماذج تشغيل أكثر كفاءة، تقوم على توظيف ما هو قائم بذكاء أعلى وابتكار مميز. ومع تعقّد المشهد الإقليمي، لم يكن الرد انتظار الاستقرار والسلام وتوقف الحرب، بل تقديم حلول عملية تعيد توجيه حركة التجارة وتقلل الاعتماد على المسارات عالية المخاطر.
فكان إطلاق ممر لوجستي يربط موانئ الخليج بشمال المملكة العربية السعودية وصولًا إلى الحدود الأردنية، مما يعكس هذا التحول بوضوح. فالمشروع لا يقوم على إنشاء جديد بقدر ما يعتمد على إعادة توظيف البنية القائمة ضمن نموذج متعدد الوسائط، يجمع بين السكك الحديدية والنقل البري. وهذا الدمج لا يختصر الزمن والكلفة فقط، بل يعكس قدرة تشغيلية مرنة تتعامل مع ظروف عدم التاكد وبيئة غير مستقرة، حيث تصبح الاستجابة السريعة واستثمار الامكانيات المتاحة عاملًا حاسمًا.
وما جرى مؤخراً لديهم ليس مجرد تطوير تقني، بل تحول في طريقة التفكير اللوجستي. فالمملكة العربية السعودية انتقلت من التركيز على البنية إلى التركيز على الأداء، ومن الاستثمار في الأصول إلى الاستثمار في كفاءة تشغيلها. وهذا ما يمنحها قدرة أكبر على تقديم حلول بديلة عندما تتعطل المسارات التقليدية، ويعزز موقعها كمحور لوجستي إقليمي ودولي مؤثر كما خُطط لها ان تكون ضمن رؤية 2030 .
لكن الأهم بالنسبة للاردن ليس فقط أهمية هذا المشروع، بل ما مدى قدرتنا على التقاط الفرص اللوجستية والتجارية المتاحة. فالتجربة العالمية تؤكد أن الممرات التجارية لا تصنع القيمة وحدها، بل السياسات المرتبطة بها ورد الفعل السريع من قبل الادارات المعنية هي من يصنع القيمة.
والدول التي نجحت لوجستيا وتجارياً لم تكتفِ بمرور البضائع من ممراتها، بل بنت حولها منظومات اقتصادية متكاملة. وإذا أراد الأردن أن يستثمر هذه الفرصة، فهناك مجموعة من الإجراءات التي لا تحتمل التأجيل، والتي لابد ان يشرع في تنفيذها، أولها، تقليص زمن التخليص والعبور إلى الحد الأدنى، لأن التنافس الحقيقي في سلاسل الإمداد يقوم على الزمن لا المسافة، وكل تأخير إداري يُفْقِدْ الممر جزءًا من جاذبيته واهميته.
ثانيها، إنشاء مناطق لوجستية متكاملة على مسار الممر، لا بوصفها مستودعات، بل كنقاط تحويل اقتصادي، تقدم من خلالها خدمات إعادة التصدير والتجميع والتعبئة، بما يضيف قيمة داخل الاقتصاد الوطني.
ثالثها، ربط الممر بالقطاع الصناعي المحلي، بحيث تتحول حركة البضائع إلى مدخل لتنشيط الإنتاج والخدمات المساندة، بدل أن تبقى حركة عبور صامتة.
رابعها، تبسيط البيئة التشغيلية بالكامل، من خلال تقليل التعقيد الإداري، وتوحيد الإجراءات، ورفع مستوى الشفافية، لأن الاستقرار الإجرائي يعتبر عاملًا حاسمًا في قرارات شركات الشحن.
المسألة الآن لم تعد تنافسًا بين موانئ، بل بين نماذج تشغيل متكاملة. والنموذج الذي يتشكل اليوم في المملكة العربية السعودية يقوم على المرونة والتكامل، وهو ما يمنحه قدرة أعلى على جذب التدفقات التجارية في أوقات الأزمات.
الأردن يمتلك موقعًا مهمًا للغاية، لكنه لن يتحول إلى قيمة اقتصادية إلا إذا أُدير بكفاءة، واستُثمر ضمن رؤية تشغيلية واضحة. وإذا لم تُتخذ خطوات عملية في الوقت المناسب، فإن هذا الممر قد يتحول إلى مسار روتيني يمر عبر الأردن دون أن يترك أثرًا يُذكر.
في النهاية، ما نشهده من الممر السعودي الجديد ليس مجرد مشروع نقل، بل إعادة توزيع للأدوار في المنطقة.
والخيار
أمام الأردن واضح: إما أن يستثمر هذه اللحظة عبر قرارات تنفيذية سريعة، أو
يفوّت فرصة قد لا تتكرر بنفس الظروف الحالية، فهل مِنْ مُدَّكِر؟ ــ الراي