رمزي الغزوي : الوحل الأوكراني
في الأيام الأولى للحرب، حين كانت الدبابات الروسية تتقدم نحو أوكرانيا بثقة المنتصر. ساعتها عرضت واشنطن على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مغادرة العاصمة إلى مكان آمن. جاء رده في جملة قصيرة سرعان ما تحولت إلى عنوان لتلك المرحلة: إنه يحتاج إلى ذخيرة لا إلى توصيلة. لم يكن أحد يعرف آنذاك إن كانت تلك الكلمات مجرد موقف عابر أم بداية لتحول سياسي وشخصي سيعيد رسم صورة الرجل أمام العالم.
ظن كثيرون أن الرئيس القادم من عالم التمثيل سيجد نفسه عاجزا أمام اختبار بهذا الحجم. فالمسا فة واسعة بين أداء دور البطولة على الشاشة ومواجهة حرب تهدد وجود الدولة نفسها. غير أن الأزمات تكشف أحيانا وجوها لم تكن ظاهرة من قبل. وفي لحظات الانكسار الكبرى لا يصنع التاريخ أولئك الذين خططوا له بعناية، وإنما الذين وجدوا أنفسهم في قلبه فاضطروا إلى إعادة اكتشاف قدراتهم.
هكذا ظهر زيلينسكي بصورة مختلفة. لم يعد الممثل الذي عرفه الجمهور في مسلسل «خادم الشعب»، وإنما قائد يخاطب شعبه من مدينة محاصرة، ويصر على البقاء حيث تتساقط الصواريخ. وفي المقابل اكتشف العالم أن الحرب التي بدت سريعة وحاسمة، كانت أكثر تعقيدا مما توقع مخططوها. فالعاصمة كييف لم تسقط، والحكومة لم تنهار، وتحولت المعركة من هجوم خاطف إلى نزاع طويل استنزف الجميع.
المشكلة في كثير من الحروب أنها تبدأ تحت تأثير الثقة المفرطة. يظن طرف ما أن ميزان القوة يكفي لتحقيق أهدافه سريعا، ثم يكتشف أن الجغرافيا والتاريخ وإرادة الشعوب عناصر لا تخضع للحسابات العسكرية وحدها. وعند تلك النقطة تبدأ الحرب بالتغير. لم تعد وسيلة لتحقيق هدف سياسي واضح، وإنما تتحول تدريجيا إلى عبء يستهلك الموارد والوقت والسمعة ويجعل الخروج منها أكثر صعوبة من الدخول إليها.
ولهذا تستدعي هذه الحرب مقارنات تاريخية عديدة، من بينها تجربة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان. آنذاك دخلت قوة عظمى وهي تتوقع نصرا يمكن إحرازه بسهولة، ثم وجدت نفسها بعد سنوات أمام حرب طويلة ساهمت في إنهاكها وسارعت في تفكك الاتحاد. صحيح أن التاريخ لا يكرر نفسه بصورة حرفية، لكنه كثيرا ما يعيد طرح الأسئلة ذاتها على لاعبين مختلفين.
اليوم لا تبدو الصورة محسومة لأي طرف. فالحروب نادرا ما تنتهي كما أراد لها أصحابها عند لحظة البداية. وما كان يبدو نصرا سهلا لربما يتحول إلى عبء ثقيل، وما كان يبدو ضعفا سيتحول إلى قدرة على الصمود تتجاوز كل التوقعات. ولهذا فإن السؤال الأهم لم يعد من بدأ الحرب؟ أو من يملك السلاح الأكثر فتكا؟ وإنما من يستطيع تحمل كلفتها حتى النهاية؟
ــ الدستور