القس سامر عازر : أعيادُنا ومقدساتُنا في ظلالِ الحرب
القس الأب سامر عازر
الأعياد محطات نقف عندها لنلتقط أنفاسنا، ونجدد قوانا، ونستعيد معنى إيماننا وتمسكنا بالحياة. هي ليست مجرد أيام للفرح، بل مساحات روحية نعود فيها إلى ذواتنا، فنرمم ما تهدّم في داخلنا، ونستعيد القدرة على الرجاء وسط عالم مثقل بالآلام. وفي الأعياد، وإن طغى عليها طابع البهجة، إلا أنها تحمل في عمقها ثبات الإيمان، وجهاد الروح، والسعي الدائم نحو تحقيق السلام والعدالة.
غير أن السؤال المؤلم يفرض نفسه اليوم: كيف نُعيّد عيد الفطر، ونحتفل بأسبوع الآلام وعيد القيامة المجيدة، والحرب ما تزال مشرعة فوق رؤوسنا؟ كيف نفرح ومقدساتنا تُغلق، أو تُقيّد، أو تُحاصر، في الوقت الذي كانت فيه بيوت العبادة، عبر التاريخ، ملجأً للإنسان في أوقات الشدة والحروب؟
إن ما نشهده في الشرق الأوسط اليوم، ولا سيما في غزة، وما ينعكس على القدس وسائر الأراضي المقدسة، يضعنا أمام تحدٍ روحي وإنساني عميق. فالمقدسات التي كانت تجمع الناس للصلاة والرجاء، أصبحت في كثير من الأحيان شاهدة على الألم، أو بعيدة المنال عن أبنائها. وهذا لا يمس فقط الحجر، بل يمس الإنسان في صميم إيمانه وانتمائه.
ومع ذلك، فإن تمسكنا بمقدساتنا لا ينبع فقط من قدسيتها التاريخية أو الدينية، بل من رمزيتها العميقة في حياتنا. فهي ليست أماكن فحسب، بل ذاكرة إيمان، ومصدر قوة، ونبع رجاء. هي التي تعيد إلينا توازننا، وتستنهض عزيمتنا، وتذكّرنا بأن للإنسان بعدًا روحيًا لا يمكن للحرب أن تطفئه.
في هذا الواقع، يصبح العيد فعل مقاومة روحية. نعم، هو مقاومة، لا بالسلاح، بل بالإيمان. حين نحتفل، نحن لا نهرب من الواقع، بل نعلن أن الحياة أقوى من الموت، وأن النور لا يُهزم أمام الظلام.
في عيد الفطر، نُجدد معنى الطهارة والتكافل والرحمة. وفي أسبوع الآلام، نتأمل سر الألم الذي لا ينتهي بالموت، بل يفتح باب القيامة. وفي عيد القيامة، نُعلن أن الظلم، مهما طال، لا يمكن أن يكون الكلمة الأخيرة.
لقد علّمنا التاريخ، وخصوصًا في هذه الأرض المباركة، أن الأزمات لا تدوم، وأن الإنسان قادر، بإيمانه، أن يتجاوز المحن. فالحروب ليست قدرًا إلهيًا محتومًا، بل هي نتاج خيارات بشرية، غالبًا ما تُحرّكها المصالح والأنانيات. أما السلام، فهو رسالة السماء، وهو أيضًا مسؤوليتنا. نحن مدعوون أن نكون صانعي سلام، لا شهود صامتين على العنف.
من هنا، فإنَّ أعيادَنا في ظل الحرب ليست أعيادًا منقوصة، بل ربما أكثر عمقًا وصدقًا. لأنها تُختبر في الألم، وتُصقل بالرجاء، وتُعاش كفعل إيمان حي. نحن لا نحتفل لأن الواقع جميل، بل لأننا نؤمن أن الجمال ممكن. لا نفرح لأن الظروف مثالية، بل لأننا نؤمن أن الله يعمل في قلب المعاناة.
في زمن تُغلق فيه بعض الأبواب، تبقى أبواب السماء مفتوحة. وفي زمن تُقيّد فيه الحركة نحو المقدسات، يبقى القلب قادرًا أن يصلّي، وأن يرفع صوته بالرجاء. وهنا يكمن سر الأعياد الحقيقية: ليست في المكان فقط، بل في الإنسان الذي يحمل إيمانه في داخله.
وأمام كل ما يجري، يبقى رجاؤنا أنْ تعودَ بيوت العبادة إلى دورها الطبيعي، ملجأً للمتعبين، ومنارةً للسلام، ومكانًا يجتمع فيه الإنسان مع أخيه الإنسان، دون خوف أو تمييز. فالأعياد، في جوهرها، دعوة مفتوحة للحياة، ورسالة بأن السلام ليس حلمًا مستحيلاً، بل طريقًا يجب أن نسير فيه، مهما اشتدت العواصف.
الحروب قد تفرض واقعًا قاسيًا، لكنها لا تستطيع أن تسلب الإنسان إيمانه، ولا أن تُطفئ نور الرجاء في قلبه. أما نحن، فمسؤوليتنا أن نحمل هذا النور، وأن نُبقيه حيًا، حتى يأتي فجر السلام.