الأخبار

رمزي الغزوي : الحروب تقود مشعلها

رمزي الغزوي : الحروب تقود مشعلها
أخبارنا :  

في البدء تبدو الحروب وكأنها قرار محسوب، أشبه بخط مستقيم رسمه ساسة ببرود أعصاب، غير أن ذلك الخط سرعان ما ينكسر عند أول احتكاك بالواقع. هناك، حيث يعلو الدخان فوق الحسابات، وتختلط النوايا بالنتائج، تتحول الحرب إلى كائن مستقل، لا يسمع إلا صوته، ولا ينصاع إلا لمنطقه. عند تلك اللحظة تحديدا، يتراجع من أطلق الشرارة خطوة إلى الخلف، ويكتشف أن ما بدأه لم يعد في متناوله.
الحرب لا تواصل السياسة كما يظن البعض، هي تبتلعها. ما إن تبدأ حتى تنقلب على مبرراتها، وتعيد ترتيب أولوياتها بطريقة لا تشبه حرارة البدايات. الأهداف التي رفعت كشعارات أولى، تصبح عبئا ثقيلا، وتستبدل بأهداف أكثر تواضعا أو أكثر غموضا. ليس لأن الإرادة تراجعت، وإنما لأن الواقع فرض منطقه الصلب. فالحروب الطويلة لا تحافظ على نقاء نواياها، بل تستهلكها تدريجيا حتى لا يبقى منها سوى ما يصلح للاستمرار.
ما نشهده اليوم ليس صراعا على قدر ما هو انكشاف. قوة هائلة تتحرك، غير أنها تبدو أصغر من ظلها. ضربات قاسية، وضجيج كثيف، ونتائج محدودة قياسا بحجم التوقعات. كل طرف يلوح بنهاية يملك مفاتيحها، وكل طرف يتحدث بلغة الحسم، غير أن الميدان يهمس بشيء آخر: لا أحد هنا يملك الخاتمة. فالنهايات لا تكتب في غرف القرار، بل تتشكل ببطء على وقع الاستنزاف.
في هذا السياق، تتبدل معايير الربح والخسارة بطريقة مربكة. من يسعى إلى كل شيء، قد يخسر كل شيء. ومن يقاتل ليبقى، قد يخرج رابحا بمجرد بقائه. هكذا تنكمش فكرة النصر حتى تكاد تلامس حدها الأدنى، وتصبح القدرة على الصمود شكلا من أشكال التفوق. الحرب هنا لا تمنح مجدا، بل تفرض بقاء قاسيا بلا زينة.
وفي خلفية المشهد، يتحرك عامل أكثر صمتا وأشد تأثيرا: الاقتصاد. حين ترتفع كلفة الحرب، تتكشف هشاشة الشعارات. ما قيل يوما إنه تفصيل ثانوي، يتحول إلى عقدة مركزية. الأسواق تضغط، والطاقة تصبح سلاحا، والممرات البحرية تتحول إلى مفاتيح خفية للصراع. هناك من يكتشف متأخرا أن الجيوب ليست بعيدة عن الجبهات، وأن ما لا تفعله الصواريخ قد تفعله الأسعار.
الأكثر إرباكا أن هذه الحروب لا تنتهي. تمتد، تتشعب، وتتحول إلى حالة مستمرة. لا نصر حاسما، ولا هزيمة نهائية، فقط دوران طويل في حلقة من الاستنزاف. التخطيط لم يعد للنهاية، بل لكيفية البقاء داخل الحرب دون انهيار كامل.
في المحصلة، لا تحقق الحرب ما تعد به، إنما تكشف ما كان مخفيا. تفضح حدود القوة، وتعرّي هشاشة اليقين، وتعيد تعريف الممكن. وحين ينقشع بعض غبارها، لا يجد المتحاربون ما يشبه انتصارا صافيا، بقدر أهداف أعيد تشكيلها على عجل. الحرب لا تفي بوعودها، هي فقط تفي بطبيعتها.

مواضيع قد تهمك