الأخبار

د. يوسف منصور : من كامبريدج الى عمان

د. يوسف منصور : من كامبريدج الى عمان
أخبارنا :  

لكي نفهم أهمية أنواع الإنفاق وأثرها في تحفيز الاقتصاد لخلق معدلات نمو مرتفعة ومستمرة وتخفيض معدلات البطالة يجب أن نعود إلى جامعة كامبريدج العريقة (تأسست عام 1209) في أواخر العشرينيات وبداية الثلاثينيات، فترة كانت فيها بريطانيا تعاني من بطالة مرتفعة.

 

كان الفكر الاقتصادي السائد (الكلاسيكي) عاجزاً عن تفسير استمرار الركود العميق (الكساد الكبير) الذي استمر لما يقارب عشر سنوات. في هذه البيئة الفكرية المضطربة، تشكّلت دائرة فكرية حول البروفيسور جون مينارد كينز (أبو علم الاقتصاد الحديث) في جامعة كامبريدج، ضمّت مجموعة من الاقتصاديين الشباب آنذاك، أبرزهم ريتشارد كان وجوان روبنسون وأوستن روبنسون.

المشكلة أن معدل البطالة في بريطانيا في الفترة 1921-1930 بلغ 11% تقريباً، وفي الفترة 1929-1939 بلغت 14% وهو رقم مرتفع تاريخياً واستمر لفترة طويلة ليبلغ في ذروته 18% عام 1933. كما تراوح معدل البطالة في الولايات المتحدة في الفترة 1929-1939 ما يقارب 20-25%، وفي بعض الدول الأوروبية 20%. لاحظ أن معدل البطالة في الأردن للفترة 2000-2025 بلغت 16% ولم تهبط في أفضل السنوات عن 12% مما يدل على بطالة هيكلية مزمنة.

كان الفكر السائد بين الاقتصاديين الكلاسيكيين (كل من سبقوا كينز حسب تعريفه هو لهم) أن الأسواق تصحح نفسها تلقائياً، فحين تنخفض الأجور نتيجة البطالة المرتفعة يزداد التوظيف الى حد تعود فيه الأجور الى الارتفاع ويعود التشغيل كما كان سابقاً، أي يعود الاقتصاد الى نقطة التوازن.

الواقع كان مختلفاً، فالبطالة بقيت مرتفعة رغم انخفاض الأجور والفترة الزمنية الطويلة التي مر بها الركود. لماذا لا تختفي البطالة تلقائياً كما تقول النظرية الكلاسيكية؟ من هذا السؤال، وبعد نقاشات حادة وطويلة، خرجت واحدة من أهم الأفكار في علم الاقتصاد الحديث، مبدأ "المضاعف الاقتصادي". لم يكن الأمر مجرد معادلة أو فكرة نظرية، بل كان تحولاً في طريقة التفكير، وهي أن الإنفاق لا يخلق أثراً مباشراً فقط، بل يولّد سلسلة متتابعة من الدخل والطلب عبر الاقتصاد.

اليوم، وبعد ما يقارب قرناً من تلك النقاشات، يجب أن يعود هذا المفهوم ليطرح نفسه بقوة في سياق الاقتصاد الأردني كأداة عملية لتوجيه السياسات الاقتصادية في بيئة مليئة بالقيود والتحديات. فأي زيادة في الإنفاق في الأردن (كونه اقتصاد صغير ومفتوح) سواء جاءت من إنفاق حكومي أو استثمار خاص، لا تبقى بالكامل داخل الاقتصاد، بل يتسرّب جزء منها إلى الخارج عبر الاستيراد فيقلل من أثرها على الطلب المحلي الذي يُشغل العمالة ورأس المال والمصادر الطبيعية والتقنيات المحلية بينما يشغل الاستيراد هذه المدخلات في دول أخرى.

في مثل هذا الاقتصاد، يكون السؤال الأهم هو "كيف ننفق؟" وليس "كم ننفق؟". لأن الدينار الذي يُنفق على نشاط عالي الاستيراد قد يغادر الاقتصاد سريعاً، بينما الدينار الذي يُنفق على نشاط كثيف المحتوى المحلي قد يدور عدة مرات داخل الاقتصاد، مولداً أثراً مضاعفاً أكبر.

إذا طبقنا هذا المنطق على السياسات الاقتصادية في الأردن (وهو ما اوضحته في مقالي السابق هنا)، سنجد أن مبدأ المضاعف يقدم معياراً واضحاً لترتيب الأولويات.الإنفاق على البنية التحتية المنتجة مثل مشاريع المياه والطاقة والنقل، يُعد من أعلى أنواع الإنفاق من حيث الأثر الاقتصادي. ليس فقط لأنه يخلق وظائف مباشرة أثناء التنفيذ، بل لأنه يخفض تكاليف الإنتاج على الشركات مستقبلاً، ويرفع كفاءة الاقتصاد ككل. هذا النوع من الإنفاق يولّد ما يمكن تسميته "مضاعفاً ممتداً زمنياً”، حيث يستمر أثره لسنوات.

في المقابل، الإنفاق الاستهلاكي العام أو التحويلات غير الموجهة أو الإنفاق على الرواتب والأجور قد يكون له دور اجتماعي آني مهم، لكنه غالباً ما يمتلك مضاعفاً أقل، لأن جزءاً كبيراً منه يتجه إلى سلع مستوردة أو لا يتحول إلى استثمار منتج.

الأدلة الأردنية المتاحة تشير إلى أن بعض القطاعات تمتلك مضاعفات أعلى من غيرها. الصناعة التحويلية، على سبيل المثال، تُعد من أكثر القطاعات قدرة على توليد أثر اقتصادي واسع، لأنها ترتبط بسلاسل توريد محلية وتشغّل أنشطة متعددة مرتبطة بها.

قطاع الكهرباء والمياه أيضاً يلعب دوراً محورياً، ليس فقط كقطاع إنتاجي، بل كقطاع "مُمكّن" لبقية الاقتصاد. فكل تحسن في كفاءة هذا القطاع ينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج في الصناعة والخدمات.

أما السياحة، فهي من جهة قطاع ذو مضاعف مرتفع، لأنها تنشط سلسلة طويلة من الأنشطة، من النقل إلى المطاعم إلى الحرف اليدوية. ولأن الاقتصاد الأردني صغير ومفتوح وضيق التنوع فان الكثير من دخل السياحة يتسرب للخارج لاستيراد ما يلزم السياح. أيضاً، ومن جهة أخرى فان السياحة شديدة الحساسية للصدمات الخارجية، ما يجعلها قطاعاً عالي المخاطر في الوقت نفسه.

تزداد أهمية مفهوم أوجه الإنفاق وكيفيته في أوقات الأزمات. لنفترض حدوث صدمة خارجية كما هو ممكن الان مع إغلاق مضيق هرمز وحالة التوتر الإقليمي مما يؤدي الى اضطراب في التجارة أو تراجع في السياحة. في هذه الحالة، لا يكفي أن تضخ الحكومة إنفاقاً لتعويض الخسائر (سياسة مالية نشطة)، بل يجب أن توجه هذا الإنفاق إلى القطاعات ذات المضاعف الأعلى (سياسة مالية ذكية).

إذا نظرنا إلى رؤية التحديث الاقتصادي في الأردن من زاوية المضاعف الاقتصادي، نجد أنها، ولو بشكل غير مباشر، تعكس هذا المنطق. التركيز على الصناعة، والخدمات القابلة للتصدير، والسياحة، واللوجستيات، ليس اختياراً عشوائياً، بل توجهاً نحو القطاعات التي يمكن أن تولّد أثراً اقتصادياً أوسع.

لكن التحدي لا يكمن في تحديد القطاعات فقط، بل في تصميم السياسات داخل هذه القطاعات. فالدعم غير الموجه قد لا يحقق الأثر المطلوب، بينما السياسات التي تعزز المحتوى المحلي، وترفع الإنتاجية، وتربط القطاعات ببعضها، هي التي ترفع قيمة المضاعف فعلياً.

ما خرج به كينز من كامبريدج لم يكن مجرد دعوة للإنفاق، بل دعوة لفهم كيف يعمل الاقتصاد كمنظومة مترابطة. في ظل محدودية الموارد وارتفاع التحديات، لا يستطيع الأردن أن يعتمد على التوسع في الإنفاق كحل سهل. بل يحتاج إلى تبني نهج أكثر دقة يقوم على تعظيم الأثر الاقتصادي لكل دينار يتم إنفاقه، فليس كل دينار يُنفق يساوي ديناراً في الناتج، فبعض الدنانير تتبخر سريعاً، وبعضها يدور داخل الاقتصاد ويخلق قيمة إضافية.

وهنا لا يغدو مبدأ المضاعف مجرد مفهوم أكاديمي، بل أداة عملية لصنع القرار. من خلاله يمكن للحكومة أن تحدد أين تستثمر، وأين تدعم، وكيف تصمم سياساتها لتحقيق أقصى أثر ممكن على النمو والتشغيل والاستقرار.

من كامبريدج إلى عمّان، تبقى الفكرة نفسها، الاقتصاد لا يتحرك بالإنفاق فقط، بل بكيفية توزيع الإنفاق داخل شبكة الارتباطات الاقتصادية. ومن يفهم هذه الشبكة، يستطيع أن يحوّل التحديات إلى فرص. ــ الراي

مواضيع قد تهمك