أ. د. محمد الرصاعي : حظر وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال
تتداعى دول العالم لحظر وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال، نتيجة للمخاطر الناجمة والآثار السلبية التي تتسبب بها، فقد بدأت الحكومة الأسترالية حظراً يمنع الأطفال دون سن (16) عاماً استخدام منصات التواصل الاجتماعي.وعلى وقع قرار الحكومة الأسترالية أعلنت كل من المملكة المتحدة، فرنسا، إسبانيا، الدنمارك، ألمانيا، اليونان، وماليزيا، ودول عديدة أخرى اتخاذ تشريعات جديدة في هذا السياق ستدخل حيز التنفيذ قريباً.
من المؤكد أن هذه التحركات العالمية لحماية الأطفال والمراهقين جاءت بسبب نتاجات على أرض الواقع تفيد بوجود مخاطر كبيرة على القدرات الذهنية والسمات الانفعالية لهذه الفئات من المجتمع، وأكثر هذه المخاطر هو التنمر الإلكتروني الذي يتعرض له الأطفال، والمحتوى الضار بالعقول والمشاعر، وانتشار خطاب الكراهية عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي. وقد حذرت منظمات دولية عديدة في مقدمتها اليونيسف من هذه المخاطر والتبعات حيث أشارت إلى تنامي ظاهرة التنمر الالكتروني وتعرض الأطفال والمراهقين للإيذاء الجسدي والانفعالي، وتعرضهم للإزعاج والتخويف المستمر والمضايقة عبر إرسال رسائل مسيئة أو تهديدات، أو تعرضهم للاحتيال والابتزاز أحياناً. وقد اهتمت هذه المنظمات وجهات عديدة في التوعية حيال هذه الممارسات، وبادرت بإعداد أدلة توعوية لمواجهة التنمر الإلكتروني، والحد من مخاطر الإدمان الرقمي.
وقد بينت دراسات حديثة مخاطر هذا التأثير على التحصيل الدراسي للطلاب، وقدراتهم المعرفية، وانشغالهم باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لفترات زمنية طويلة على حساب أوقات التعلم، والتفاعل الاجتماعي وممارسة الرياضات والهوايات التي تبني أجسادهم ومشاعرهم.
وتكمن خطورة إدمان الأطفال على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أنها تؤثر على تقديرهم لذواتهم، حيث يمضي الطفل فترات طويلة تحت تأثير ما يتلقاه من رسائل ومشاهد ومحتوى دون أي دور أو مساهمة له في بناء وتشكيل معارف أو مهارات تؤسس شخصيته المعرفية والانفعالية، بخلاف ممارسته للتعلم وإجراء الأنشطة في واقع حياته سواء في المدرسة أو المنزل من أفعال كالقراءة، والكتابة، وتنفيذ أنشطة عقلية وجسدية يكون له الدور الأساس فيها، وهذا التلقي السلبي للمحتوى الإلكتروني عبر وسائل التواصل الاجتماعي يجعله يشعر بالعجز والضعف وبالتالي التقدير السلبي لذاته.
الوقت الطويل الذي يمضيه الأطفال والمراهقون في الفضاء الإلكتروني، وعدم قدرتهم على ضبط المحتوى الذي يتعرضون له، يجعلهم في عزلة عن محيطهم الاجتماعي، وقد يشعر الكثير منهم بحالة اغتراب عن مجتمعاتهم، مما يتسبب لهم بالشعور بالقلق والتوتر عند أي تفاعل اجتماعي أو تواصل مع الآخرين.
وقد تأتي الإجراءات والقوانين التي بدأت تفرضها الحكومات لحظر استخدام الأطفال والمراهقين وسائل التواصل الاجتماعي من قناعات ودلائل عن ضعف قدرة الأسر وأولياء الأمور على ضبط ومراقبة الأبناء في أثناء انشغالهم بهذه الوسائل الرقمية، وعدم إمكانية ضبط المحتوى الذي يتعرضون له رغم وجود برامج رقابة وضبط الكترونية يمكن للأهل تفعيلها للحيلولة جزئياً دون حدوث المخاطر الناجمة عن الاستخدام العشوائي والمطول لها.
لا أحد ينكر أو يمكن أن يتغاضى عما تتسبب به وسائل التواصل الاجتماعي من تأثير سلبي على أبنائنا وشبابنا، وفي ذات الوقت نُقرّ بضعفنا كأولياء أمور عن مواجهة التبعات السلبية لإدمانهم هذه الوسائل والأدوات، فهل بالإمكان قيام الحكومة ومؤسسات المجتمع هنا في الأردن بالتفكير مبدئياً بما يمكن عمله في هذا السياق (تشريعات، برامج توعية، أدوار للمدارس والجامعات) للمحافظة على عقول أبنائنا وانفعالاتهم، وتمكينهم من العيش في عالم اليوم، والولوج إلى المستقبل بصحة عقلية ونفسية سليمة.
Rsaaie.mohmed@gmail.com