م. زيد خالد المعايطة : عندما تسود الإشاعات وتغيب الحقيقة... قراءة سلوكية في كيفية انتشار المعلومات في الازمات
في الظروف التي تختلط فيها مشاعرالقلق والشك جراء نقص المعلومات، يتكرر مشهد مألوف على الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي، تظهر رسالة في إحدى مجموعات الدردشة أو على صفحة إلكترونية تشير إلى وقوع حدث ما او حدوث تطور ما في قضية عامة، وبالرغم من عدم معرفة مصدرها او التحقق من صحة محتواها في كثير من الأحيان، لكنها تنتشر ويتسع نطاق تداولها لأنها تحمل إيحاءً بأهمية الخبر، وما هي إلا لحظات حتى تبدأ بالانتقال بين الأصدقاء والمعارف وتجد طريقها إلى عدد متزايد من الهواتف.. ومع استمرار تداول هذه الرسالة تتغير معانيها تدريجياً، فالمعلومة التي بدأت على شكل خبر غير مؤكد تتحول شيئاً فشيئاً إلى شائعة تنتقل عبر الأحاديث اليومية والمنصات الرقمية على نطاق واسع، وبحلول اللحظة التي يبدأ فيها البعض بالتساؤل عن صحتها يكون عدد كبير من الناس قد اطّلع عليها بالفعل، فيشعر بعضهم بالقلق ويحاول آخرون التحقق منها بينما يتعامل معها البعض وكأنها حقيقة مكتملة، وهكذا تبدأ معظم الإشاعات في الغالب بالتشكل والانتشار.
وقد لاحظ الباحثون الذين درسوا ظاهرة الإشاعات منذ عقود نمطاً يتكرر في مختلف المجتمعات، فالإشاعات تميل إلى الانتشار بقوة عندما يجتمع عاملان في الوقت نفسه، عندما يكون الموضوع مهماً بالنسبة للناس، وعندما تكون المعلومات المتوفرة عنه محدودة أو غير واضحة، فعند التقاء هذين العاملين تتسع دائرة الحديث والتكهنات بسرعة وتبدأ الروايات غير المؤكدة بالانتقال بين الأفراد.
ومن واقع هذه الظاهرة يمكن فهم الدور الكبير الذي يلعبه السلوك الإنساني في انتشار الإشاعات، فالغموض بطبيعته يثير القلق لدى الناس، والعقل يميل إلى البحث عن تفسير للأحداث عندما تبدو مهمة ولكنها غير مكتملة المعالم، ولهذا يصبح تداول المعلومات وسيلة لمحاولة فهم ما يحدث، وحتى عندما لا يكون الشخص متأكداً من صحة ما يتلقاه فإنه قد يعيد نشره بدافع الفضول الحذر أو بدافع الرغبة بلفت انتباه الآخرين، كما أن الرسائل التي تصل عبر الأصدقاء أو المعارف تبدو في كثير من الأحيان أكثر قابلية للتصديق، ومع تكرار ظهور المعلومة نفسها يبدأ البعض في التعامل معها وكأنها حقيقة حتى في غياب مصدر موثوق.
ومع تطور وسائل الاتصال الحديثة تضاعفت سرعة انتشار الإشاعات بشكل غير مسبوق، فالمنصات الرقمية تتيح لرسالة واحدة أن تصل إلى أعداد كبيرة من الناس خلال وقت قصير، مما يسمح للمعلومات غير المؤكدة بالانتشار على نطاق واسع قبل أن تتوفر التوضيحات الدقيقة، كما أن طبيعة وسائل التواصل الاجتماعي تعزز هذا الانتشار، إذ يميل المحتوى الذي يثير مشاعر قوية مثل القلق أو المفاجأة أو الشعور بالأهمية إلى جذب انتباه أكبر، وهو ما يجعله ينتشر بسرعة أكبر من التفسيرات الهادئة أو التصحيحات اللاحقة.
ومع استمرار تطور البيئة الرقمية بدأت تقنيات الذكاء الاصطناعي تضيف بعداً جديداً إلى مشهد المعلومات، فالأدوات الحديثة أصبحت قادرة على إنتاج صور وأصوات ونصوص تبدو مقنعة بدرجة كبيرة، وهذه التقنيات تحمل إمكانات هائلة في مجالات التعليم والإبداع والابتكار، لكنها في الوقت نفسه قد تجعل بعض المواد المضللة تبدو أكثر واقعية، وهو ما يزيد من صعوبة التمييز بين المعلومات الحقيقية والمحتوى المفبرك لدى كثير من الناس.
في مثل هذا الواقع يصبح الحد من انتشار الإشاعات مسؤولية مشتركة، فالحذر الفردي يظل مهماً لكنه لا يكفي وحده، إذ يمكن للمدارس والجامعات أن تسهم في بناء وعي مبكر من خلال تعليم مهارات الثقافة الإعلامية التي تساعد الشباب على التحقق من مصادر المعلومات قبل إعادة نشرها، كما يمكن لحملات التوعية العامة أن تشجع الناس على التمهل وطرح الأسئلة والتأكد من مصدر الرسائل المتداولة عبر الإنترنت، وفي الوقت نفسه يظل التواصل الواضح والسريع من قبل المؤسسات الرسمية عاملاً مهماً في تقليل مساحة الغموض التي تجد الإشاعات فيها بيئة مناسبة للانتشار.
وفي النهاية تكشف الإشاعات جانباً إنسانياً مهماً في طريقة تعامل المجتمعات مع حالة عدم اليقين، فحين يجد الناس أنفسهم أمام أحداث تتكشف تفاصيلها تدريجياً يميلون بطبيعتهم إلى البحث عن تفسير لما يجري من حولهم، وقد تكون التكنولوجيا قد سرعت هذه العملية بشكل غير مسبوق، لكن الدافع الأساسي يظل إنسانياً في جوهره، وفي عصر تنتقل فيه المعلومات بسرعة هائلة قد تصبح القدرة على التريث والتحقق والتفكير الهادئ واحدة من أهم المهارات التي تحتاجها المجتمعات للحفاظ على وضوح الحقيقة وسط ضجيج الأخبار المتداولة..
– باحث في الاقتصاد والسياسات السلوكية