د. محمد حيدر محيلان : الأردن بين الممرات المتنافسة: هل ينجح في تثبيت موقعه اللوجستي؟
استكمالًا لما تناولناه في المقالين السابقين حول فرص الأردن في الاستفادة من تحولات التجارة الإقليمية، وحول الخطة الواقعية لتعظيم المكاسب اللوجستية بموارد محدودة، يبرز اليوم سؤال أكثر عمقًا يتعلق بالمرحلة المقبلة: هل يستطيع الأردن تثبيت موقعه ضمن الممرات التجارية الجديدة في ظل تصاعد المنافسة وتسارع التحولات الاقتصادية في المنطقة؟
فإعادة رسم مسارات التجارة في الشرق الأوسط لم تعد مجرد توقعات أو تحليلات نظرية، بل أصبحت واقعًا معاشاً تفرضه عوامل متعددة، من بينها التوترات السياسية والعسكرية، وتغير أنماط سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع كلف النقل والتأمين في بعض الممرات التقليدية. وفي مثل هذه الظروف تبحث شركات النقل الدولية عن مسارات تجمع بين الكلفة المقبولة والاستقرار التشغيلي وسرعة الإجراءات، وهو ما يجعل القدرة على التكيف السريع عنصرًا حاسمًا في تحديد الدول القادرة على الاستفادة من هذه التحولات.
يمتلك الأردن مقومات جغرافية مهمة تؤهله ليكون جزءًا من هذه التحولات والاستفادة منها، إذ يقع على تقاطع مسارات تربط السعودية والعراق وسوريا ومصر، إضافة إلى منفذه البحري عبر ميناء العقبة. غير أن التجربة الاقتصادية الدولية تشير بوضوح إلى أن الموقع وحده لا يصنع دورًا لوجستيًا مؤثرًا، بل إن القدرة على تقديم خدمات ذات قيمة مضافة، ورفع كفاءة الإدارة التشغيلية، وبناء الثقة لدى المتعاملين في السوق، هي العوامل الحاسمة في نجاح أي ممر تجاري.
وفي هذا السياق تبدو المنافسة الإقليمية أكثر وضوحًا وتميزا من أي وقت مضى. فدول عديدة في المنطقة تعمل على تطوير بنيتها التحتية اللوجستية، وتبسيط إجراءاتها الجمركية، واستقطاب الاستثمارات في قطاع النقل والتخزين. وهذا يعني أن الفرصة المتاحة للأردن الآن ليست مفتوحة زمنياً وعلى المدى الطويل، بل ترتبط بمدى سرعة اتخاذ القرار وقدرته على تنفيذ إصلاحات عملية تعزز تنافسيته في سوق يتسم بالحركة والتنافسية المستمرة.
إن تثبيت الدور اللوجستي لا يتحقق فقط عبر جذب حركة الترانزيت، بل عبر تحويل هذه الحركة إلى نشاط اقتصادي متكامل. فالممرات الناجحة عالميًا لم تكتف برسوم العبور، بل بنت منظومات صناعية وخدمية مرتبطة بالنقل. فقد طورت سنغافورة نموذجًا يقوم على تحويل موقعها البحري إلى مركز عالمي لإعادة التصدير والخدمات اللوجستية والصناعات الخفيفة المرتبطة بالتجارة الدولية، بينما نجحت هولندا عبر ميناء روتردام في بناء منظومة متكاملة تشمل التخزين والتجميع والخدمات المالية والتأمينية المرتبطة بحركة البضائع في أوروبا.
وفي المنطقة العربية اتجهت بعض الدول إلى تطوير مناطق لوجستية وصناعية مرتبطة بالموانئ والمطارات بهدف تعظيم القيمة الاقتصادية لحركة العبور بدل الاكتفاء برسوم النقل. فعلى سبيل المثال، عملت السعودية على تطوير مناطق لوجستية وصناعية مرتبطة بالموانئ الرئيسية مثل جدة والدمام بما يعزز خدمات التخزين وإعادة التصدير والتوزيع الإقليمي. كما طورت مصر مناطق لوجستية وصناعية حول قناة السويس والموانئ المطلة على البحرين الأحمر والمتوسط بهدف جذب الصناعات المرتبطة بالتجارة الدولية وتحويل حركة العبور إلى نشاط اقتصادي متكامل. وكلما توسعت هذه الأنشطة، ازدادت قدرة الدولة على تحقيق قيمة اقتصادية مستدامة من موقعها الجغرافي.
كما أن الاستقرار التشغيلي يمثل عنصرًا حاسمًا في قرارات الشركات الدولية. فالممر التجاري لا يُقاس فقط بطول الطريق أو كلفة النقل، بل بمدى إمكانية التنبؤ بزمن الوصول، وتوفر الخدمات المساندة، وكفاءة إدارة المخاطر. ومن هنا فإن الاستثمار في تحسين الإدارة اللوجستية، ورفع مستوى التنسيق بين الجهات المعنية، وتطوير الخدمات الرقمية المرتبطة بإدارة الشحنات، يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا من إطلاق مشاريع بنية تحتية كبيرة في المدى القصير.
وفي الوقت ذاته، يتطلب تثبيت الدور اللوجستي بناء شراكات إقليمية ودولية تعزز تكامل الممرات بدل تنافسها السلبي. فحركة التجارة العالمية تقوم على الشبكات المتصلة لا على المسارات المنعزلة، والدول التي تنجح في التموضع ضمن هذه الشبكات هي التي تحصد المكاسب الاقتصادية والاستراتيجية على المدى الطويل. وهذا يفتح المجال أمام الأردن لتطوير نماذج تعاون مع الدول المجاورة وشركات النقل العالمية بما يضمن تدفقًا مستقرًا للبضائع والاستثمارات.
غير أن بعض التحديات البنيوية تفرض علينا قراءة واقعية للمشهد. فارتفاع كلف الطاقة والنقل الداخلي، والحاجة إلى تمويل مشاريع التطوير، وتأثر حركة النقل البري بالمتغيرات السياسية في الدول المجاورة، كلها عوامل تتطلب من الدولة سياسات مرنة قادرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. كما أن بناء الثقة لدى المستثمرين والمتعاملين في القطاع اللوجستي يحتاج إلى استمرارية في الإصلاحات ووضوح في الرؤية الاقتصادية.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن الأردن يقف اليوم أمام مرحلة انتقالية حاسمة. فإما أن يتحول إلى ممر تجاري منظم قادر على تقديم خدمات موثوقة تضيف قيمة اقتصادية حقيقية، أو يبقى مجرد نقطة عبور محدودة التأثير في خريطة التجارة الإقليمية. والفرق بين المسارين لا يرتبط بحجم الموارد المتاحة، بقدر ما يرتبط بقدرة الإدارة الاقتصادية على توظيف هذه الموارد بكفاءة، وبسرعة التحرك في بيئة لا تنتظر المترددين.
إن التحولات التي تشهدها طرق التجارة في المنطقة قد لا تتكرر بالوتيرة نفسها في المستقبل، وهو ما يجعل استثمارها في الوقت المناسب خيارًا استراتيجيًا. فالدول التي تنجح في تثبيت موقعها ضمن الممرات التجارية الجديدة لا تعزز نموها الاقتصادي فحسب، بل تكتسب أيضًا وزنًا اقتصاديًا واستراتيجيًا أكبر. وبين الفرصة والتحدي، يبقى الرهان على وضوح الرؤية، وحسن التنفيذ، وقدرة الأردن على الانتقال من موقع التكيف مع التحولات إلى موقع الفاعل والمشارك في صنعها.