الأخبار

د. هبة ابو عيادة : لا أوحشَ الله منك يا رمضان

د. هبة ابو عيادة : لا أوحشَ الله منك يا رمضان
أخبارنا :  

تمضي الأيام سريعًا، كأنها حباتُ عقدٍ انفلت خيطه، فإذا بنا نقف عند آخر محطات رمضان، نودعه والقلب يعتصره ألم لا يشبه سواه؛ شعور الوداع لضيفٍ ما مرّ على البيوت إلا وترك فيها بركة، ولا مرّ على القلوب إلا وغسل عنها شيئًا من صدأ الغفلة. نقف عند عتبة الرحيل وكأننا نهمس بحزنٍ صادق: لا أوحشَ الله منك يا رمضان.

 

قارئنا الكريم لم يكن رمضان عند المؤمنين شهرًا عابرًا في التقويم، بل كان موسمًا للروح، وربيعًا للقلوب، ونافذةً يطلّ منها الإنسان على سماء أقرب ما تكون إليه. فيه تهدأ ضوضاء الدنيا قليلًا، ويعلو صوت القرآن في البيوت والمساجد، وتلين القلوب بعد قسوة، وتدمع العيون بعد جفاف. كأن الله يفتح لعباده في هذا الشهر بابًا واسعًا من الرحمة، فمن دخله بصدق عاد بقلبٍ آخر.

لكن ما أثقل لحظة الوداع. فالقلب يعلم أن الأيام التي مضت لن تعود، وأن تلك الساعات التي عشناها بين السحر والإفطار، وبين التراويح والقرآن، ستصبح بعد قليل ذكرى. لذلك لم يكن السلف الصالح يودّعون رمضان ببرود العابرين، بل بقلوبٍ تخاف أن تكون هذه آخر مرة يلتقون به.

كانوا إذا أقبل رمضان استقبلوه بفرحٍ عظيم، وإذا أدبر ودّعوه بدموعٍ صادقة. رُوي أن بعضهم كان يدعو الله ستة أشهر أن يبلّغه رمضان، فإذا انقضى دعا ستة أشهر أخرى أن يتقبله الله منه. كانوا يشعرون أن القضية ليست في مرور الشهر، بل في قبول العمل فيه. لذلك كان حزنهم عند وداعه حزنَ من يخشى أن يفقد كنزًا لا يدري هل سيُتاح له مرةً أخرى. فكان رمضان عندهم حياةً كاملة؛ ليلهم قرآن، ونهارهم صيام، وقلوبهم معلّقة بين الخوف والرجاء. كانوا يعرفون أن هذه الأيام ليست عادية، وأنها قد تكون الفرصة التي تُغفر فيها الذنوب، وتُعتق فيها الرقاب من النار، وتُكتب فيها بدايات جديدة للإنسان مع ربه. ولذلك إذا جاء آخر رمضان تغيرت ملامح قلوبهم. كانوا يشعرون أن ضيفًا عزيزًا يستعد للرحيل، وأن البيت الذي امتلأ بالأنوار سيهدأ قليلًا بعده. كانوا يتساءلون في قلوبهم: أيُّنا المقبول فنهنئه؟ وأيُّنا المحروم فنعزيه؟.

إن وداع رمضان ليس حزنًا على شهرٍ مضى فحسب،؛ بل هو حزن على تلك الحالة الإيمانية التي كنا نعيشها فيه. كم من قلبٍ كان أقرب إلى الله! وكم من لسانٍ كان أكثر ذكرًا! وكم من عينٍ ذرفت دمعةً صادقة في جوف الليل! نخشى عند الوداع أن تعود القلوب إلى قسوتها، وأن تعود الأيام إلى سرعتها اللاهية، وأن يفتر ذلك الشوق الذي كان يشدّنا إلى المساجد والمصاحف.

لكن رمضان يعلّمنا درسًا عظيمًا: أن الطريق إلى الله ليس موسمًا محدودًا، بل هو رحلة عمر. صحيح أن رمضان يمنحنا دفعة قوية، لكنه لا يريد منا أن نتوقف عند نهايته. إنما يريد أن يعلّمنا كيف يمكن للإنسان أن يغيّر نفسه، وكيف يمكن للقلب أن يظل قريبًا من الله حتى بعد أن ينقضي الشهر. ولذلك فإن أجمل الوفاء لرمضان ليس في الحزن على فراقه فقط، بل في حفظ العهد الذي صنعه في قلوبنا. أن يبقى للقرآن نصيبٌ من يومنا، وأن تبقى للصلاة روحها التي ذقناها في ليالي التراويح، وأن تبقى قلوبنا أكثر رحمةً بالناس كما كانت ونحن نتذكر الفقراء عند الإفطار.

يا رمضان، ما أسرع ما مررت! كأنك نسمة عابرة، لكنها تركت في الروح أثرًا عميقًا. جئت فطهّرت القلوب، وأنرت البيوت، وذكّرتنا أن الطريق إلى الله أقرب مما نظن. وها أنت تمضي، تاركًا خلفك قلوبًا تسأل الله أن يعيده علينا سنوات عديدة.

نمضي بعد رمضان في أيام العام، لكننا نحمل في داخلنا شيئًا منك؛ شيئًا من صفاء لياليك، ومن سكينة سحورك، ومن دموع الدعاء في جوف الليل. فإذا بقي هذا الأثر في القلب، فإن رمضان لم يرحل حقًا… بل بقي حيًا فينا حتى يعود. وما أجمل أن يبقى في القلب دعاءٌ صادق عند الوداع: اللهم لا تجعل هذا آخر العهد برمضان، وأعده علينا أعوامًا عديدة، وأزمنة مديدة، ونحن في صحةٍ وإيمان، وقد قبلت منا ما قدمنا فيه من طاعة. ـ الراي

مواضيع قد تهمك