فراس النعسان : الحرب و(أنصاف المنتصرين)
لم
يعد الناس في الشرق الأوسط يسألون من بدأ الحرب، بل متى ستصل إليهم آثارها
التالية، خاصة مع ظهور وعي كبير عند البعض أن هذه الحرب ستطول وتكون لها
تبعات كارثية في المنطقة. لذلك نجد أن الأخبار اليومية لم تعد مفاجئة؛
ضربات متبادلة، تهديدات متصاعدة، وتصريحات عسكرية تتحدث عن "مفاجآت كبيرة"
وكأن المنطقة تعيش على إيقاع انتظار الانفجار التالي. الحرب لم تعد حدثاً
بعيداً يُتابَع على الشاشات، بل واقعاً يقترب تدريجياً من حياة الجميع، حتى
أولئك الذين ليسوا طرفاً فيها.
تصريح
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن توقع "مفاجآت كبيرة" يعكس طريقة
التفكير الاستراتيجي في حرب لا تشهد مواجهة تقليدية. فالحرب الحالية لا
تُدار وفق خطة واضحة بقدر ما تُدار بمنطق التصعيد المتدرج، حيث يحاول كل
طرف اختبار حدود الآخر دون الوصول إلى قتال شامل. إنها حرب حسابات دقيقة،
لكنها في الوقت نفسه مليئة بسوء التقدير.
المشهد
القائم لا يشبه الحروب التقليدية التي تنتهي بتوقيع اتفاق أو سقوط عاصمة.
ما يجري أقرب إلى صراع تجريبي واسع، تتبادل فيه إسرائيل وإيران والولايات
المتحدة الرسائل بالنار، بينما تتحول الجغرافيا المحيطة إلى مساحة ارتداد
للصراع. الضربات المتزايدة داخل إيران، مقابل الهجمات التي تطال دول الخليج
والأردن، تكشف أن الحرب تجاوزت حدودها الأصلية وأصبحت شبكة من المواجهات
المتصلة.
المفارقة أن كل طرف
يعتقد أنه يتحكم بإيقاع التصعيد. إسرائيل تسعى إلى إعادة تثبيت الردع عبر
توسيع الضربات، لكنها بذلك تفتح جبهات يصعب ضبطها. إيران تحاول إثبات
قدرتها على الرد غير المباشر ورفع كلفة المواجهة، لكنها تدخل تدريجياً في
معادلة استنزاف طويلة. أما الولايات المتحدة فتقف في موقع المدير البعيد؛
تحاول منع الحرب الكبرى دون القدرة على إيقاف التدهور المستمر، وهي بوجود
قواعدها في دول الخليج تعرض هذه الدول إلى خطر أكبر يومياً.
المشكلة
الأعمق ليست في حجم القوة، بل في تقديرها. فالقوة في الحروب الحديثة لم
تعد عسكرية فقط، بل اقتصادية ونفسية وسياسية أيضاً. وكلما طال الصراع،
اكتشف كل طرف أن ما اعتبره تفوقاً حاسماً لم يكن سوى تفوق محدود في مرحلة
معينة من المواجهة، حتى الاغتيالات الكبرى (خامنئي- لاريجاني- الخطيب )
تقاس الان على أنها تفوق محدود.
لهذا
لا يبدو أن هذه الحرب ستنتج منتصراً واضحاً، بل ما يمكن وصفه بـ"أنصاف
انتصارات". إسرائيل قد تعلن أنها استعادت الردع، وإيران ستؤكد أنها فرضت
توازناً جديداً، والولايات المتحدة ستقول إنها منعت حرباً شاملة. لكن
الواقع يشير إلى أن أحداً لم يحقق نصراً كاملاً.
الخاسر
الحقيقي هو المنطقة نفسها؛ الدول والمجتمعات التي تتلقى الضربات دون أن
تكون جزءاً من قرار الحرب. فالصواريخ التي تُطلق كرسائل استراتيجية لا تسقط
على النظريات العسكرية، بل على مدن يعيش فيها أناس خارج حسابات الصراع.
وهكذا
تتحول الحرب إلى تجربة مفتوحة للقوة بين اللاعبين الكبار، بينما يدفع
الآخرون الثمن الكامل. وفي النهاية، قد لا يخرج أحد منتصراً فعلاً، بل
أطراف متعبة تحمل لقب "نصف رابح" في شرق أوسط أكثر هشاشة مما كان عليه قبل
الحرب. ــ الدستور