د. سند ابو راس : موت الكوميديا وإنعاش الوعي
بعد
الحرب العالمية الثانية بدأت التكنولوجيا بالتطور، ابتداءً من التحول من
الإذاعة الصوتية (الراديو) إلى الإذاعة المرئية (التلفاز). هنا ظهرت طفرة
جديدة في المجتمعات غيّرت كيفية التعامل البشري مع الحياة، وهذه الطفرة هي
طفرة الكوميديا. كان أساس انتشارها هو التلفاز، عن طريق إنتاج أفلام
ومسلسلات ومسرحيات كوميدية تتمحور حول السخافة المضحكة. وهي طفرة لأنها
شكّلت تغيرًا كبيرًا في نفس الإنسان المعاصر، الذي أصبحت الكوميديا جزءًا
من حياته اليومية، مما أدى إلى ظهور إنسان أقل تصلبًا من الإنسان القديم؛
إنسان يفضّل المزاح على الجدية، والسفه على الوقار.
ربما
كان أحد أسباب هذه الطفرة هو نهاية الحياة الصعبة وبداية الرفاهية؛ فقبل
الثورة التكنولوجية كانت الحياة صعبة جدًا من كل النواحي، ولكن التكنولوجيا
جعلت الحياة أسهل وأفضل، فكانت طفرة الكوميديا بمثابة استراحة المحارب
الذي واجه الحياة القاسية.
شهد
الفن كمًا هائلًا من الأفلام والمسلسلات والمسرحيات الكوميدية بعد ذلك،
لكنها كانت في أغلبها تخضع لرقابة التلفاز. وبالإضافة إلى أن كثيرًا من
الطرائف والمواقف المضحكة قد تم استخدامها من قبل، فإن الكوميديا بدأت
تتراجع. وما إن ظهرت مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبح الجميع صانع محتوى،
انتعشت الكوميديا مرة أخرى لنراها بأشكال مختلفة، عبر "ميم" طريف أو مقطع
فيديو ساخر لا يتجاوز الخمس عشرة ثانية، ينتقد المجتمع أو تصرفات الناس أو
الماضي أو الحاضر أو المستقبل. هنا كانت ذروة الكوميديا، مما أظهر مواقع
التواصل الاجتماعي بمظهر مفسد الأجيال بالسخافة التي تُعرض عليها.
ولكن
الآن، وبعد أن تم استنفاد أغلب أفكار الكوميديا، حيث أصبحنا نادرًا ما نجد
عملًا كوميديًا مضحكًا حقًا كالسابق، وأحيانًا نرى مئات الفيديوهات ولا
نخرج منها سوى ببعض الابتسامات الخفيفة، بالإضافة إلى الجيل الجديد الذي
عاد إلى التصلب كعجوز كبير في السن عبر ما يُسمى بـ"الكرنج"، وهذا الجيل
قلّما يجد أمرًا مضحكًا بالفعل.
وعليه،
فإني أرى أن الكوميديا قد ماتت بالفعل، ولكن وعلى الطرف الآخر من المعادلة
نرى انتعاشًا كبيرًا في الوعي. فبسبب مواقع التواصل الاجتماعي، التي فيها
ما فيها من مصائب، ولكن نرى أنها نزعت المركزية من الأخبار، وأصبح الجميع
يعلم ويرى ما يجري في مجتمعه ودولته، بل وفي العالم بأسره، وأصبح على دراية
بأمور اقتصادية وسياسية كانت في السابق حكرًا على مجموعة معينة في المجتمع.
مواقع
التواصل الاجتماعي، ونشر الوقائع بالفيديو، والتعقيب عليها وتحليلها،
ومحاولة تبسيط التحليل أيضًا ليصل إلى أكبر عدد من المتابعين، تنقل السياسة
من تحت الطاولة ووراء الأبواب المغلقة إلى يد المواطن، فيصعب غسل الأدمغة
والتحايل والفساد.