الأخبار

د. محمد رسول الطراونة : العقل والجنون من "حجرة" تشيخوف إلى واقعنا المحترق

د. محمد رسول الطراونة : العقل والجنون من حجرة تشيخوف إلى واقعنا المحترق
أخبارنا :  

وقعت بين يدي قبل عدة أيام قصة الكاتب الروسي انطون تشيخوف "الحجرة رقم 6"وكنت قد قرأتها قبل أربعين عاما بنسختها الروسية ولا أعرف ما الذي شدني لقراءتها مرة اخرى، لعل القصة التي كتبت منذ أكثر من قرن مرآة صادقة تعكس تناقضاتنا المعاصرة وتخترق الزمن لتطرح علينا أسئلة وجودية عن طبيعة العقل والجنون، وعن مسؤوليتنا الأخلاقية تجاه ما يحدث حولنا. وإذ ننظر إلى ما يجري في إقليمنا العربي من حروب ودمار، تتضاعف هذه الأسئلة إلحاحاً، فنحن أمام واقع يعيد تشكيل معايير الحكم على العقلانية والجنون، بل ويجعلنا نتساءل: من هو المجنون حقاً؟.

 

تقدم قصة تشيخوف عبرة عميقة: الحدود بين العقل والجنون ليست ثابتة أو موضوعية، بل هي بناءات اجتماعية وأخلاقية. ففي القصة، نرى كيف أن "المجنون" إيفان، الذي يعاني من هوس الاضطهاد، يطرح أسئلة وجودية ثاقبة عن الحرية والعدالة، ويكشف زيف المجتمع الخارجي الذي يظن نفسه عاقلاً، بينما الطبيب أندريه، الذي يمثل "العقل" المؤسسي، يعيش في عزلة فلسفية، يتأمل الظلم دون أن يحرك ساكناً، مبرراً انسحابه بفلسفة متسامية تتحول إلى غطاء للخنوع واللامبالاة. وعندما يُحتجز اندرية في النهاية في الحجرة ذاتها، يكتشف متأخراً أن فلسفته العاقلة كانت وهماً، وأنه كان يعيش في جنون العزلة والانفصال عن الواقع.

العبرة الجوهرية هنا أن العقلانية الحقيقية لا تكمن في مجرد التأمل النظري، بل في القدرة على تحويل الوعي إلى فعل، وفي تحمل المسؤولية الأخلاقية تجاه الآخرين. أندريه،رغم علمه بوحشية النظام في المستشفى، يختار الصمت، فيكون شريكاً في الجريمة الصامتة. فما قيمة الحكمة إن لم تترجم إلى موقف شجاع أو تعاطف إنساني؟.

ما يجري في إقليمنا: عقل أم جنون؟ عندما ننظر إلى ما يعيشه إقليمنا العربي اليوم من حروب مدمرة، ونزاعات طائفية، وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وتدمير ممنهج للمدن والبنى التحتية، وتهجير قسري للملايين، نتساءل: هل هذه الأفعال تصدر عن عقلاء أم عن مجانين؟ لو تأملنا المشهد بعيون تشيخوفية، لرأينا أن ما يجري هو جنون جماعي بامتياز. جنون يتمثل في استباحة الدماء باسم الدين أو القومية، في تدمير الحضارة باسم الدفاع عن الهوية، في صناعة الموت باسم الحياة.

لكن المأساة الأكبر أن هذا الجنون غالباً ما يُقدم بوصفه عقلانية سياسية، أو ضرورة واقعية، أو خياراً لا بديل عنه. تُصاغ له الخطابات السياسية والدينية التي تبرره، وتُعبأ له الجماهير باسم العقل والمصلحة. وهنا تكمن المفارقة التشيخوفية: كم من مجنون يظن نفسه عاقلاً، وكم من عاقل يصمت فيُتهم بالجنون إن تحدث.

في عصرنا الرقمي المعاصر، تكتسب هذه الثنائية أبعاداً جديدة، نحن نعيش في عالم تتفشى فيه الأمراض النفسية كالقلق والاكتئاب بمعدلات وبائية، بينما تزداد مشاعر العزلة والاغتراب رغم اتصالنا التقني الدائم،أصبحت "الحُجرات رقم 6" معاصرة:هي غرف النوم المغلقة على شاشات الهواتف، والفقاعات الرقمية التي نعزل أنفسنا فيها، والخطابات الجوفاء التي نتبناها لنبرر انسحابنا من المشاركة الفعلية. نستهلك المعلومات بشراهة، ونناقش القضايا بذكاء، ولكننا غالباً ما نعجز عن تحويل هذا الوعي إلى ممارسة إيجابية أو تضامن حقيقي مع ضحايا الحروب والمآسي في إقليمنا.

إذا كانت الحدود بين العقل والجنون هشة، فهل يعني ذلك أن كل شيء نسبي؟ كلا، فقصة تشيخوف تقدم معايير أخلاقية وإنسانية يمكن الاستناد إليها:العقل هو ما يحافظ على الحياة ويكرم الإنسان، والجنون هو ما يهدرها ويسحق كرامته، أي فعل يؤدي إلى تدمير البشر وتشريدهم وقتلهم دون مبرر،هو فعل مجنون مهما تزين بزي العقلانية. العقل هو القدرة على رؤية الآخر والاعتراف بوجوده، والجنون هو محو الآخر وتصفيته جسدياً أو رمزياً،من يرى في خصمه مجرد رقم أو عائق، إنما يعيش في جنون العظمة. العقل هو تحمل المسؤولية عن الأفعال وعواقبها، والجنون هو الهروب من المسؤولية وإلقاء التبعات على الضحية أو الظروف، من يشعل الحروب ثم يتنصل من نتائجها، هو مجنون بقدر ما هو خائن للأمانة الإنسانية. العقل هو الشجاعة الأخلاقية لمواجهة الظلم، والجنون هو الانسحاب والصمت والتواطؤ،من يرى الدمار ولا يحرك ساكناً، بحجة "العقل" أو "الحياد"، إنما يعيش في جنون العزلة الذي حذر منه تشيخوف.

ما نستخلصه من تأمل قصة تشيخوف في ضوء واقعنا هو أن الخلاص لا يكون إلا بالخروج من "الحجرات" التي نحبس فيها أنفسنا: سواء كانت حجرات ملموسة كزنازين السجون والمعتقلات، أو حجرات رمزية كالفقاعات الرقمية والأيديولوجيات الجامدة والصمت المتواطئ. إن إنسانيتنا لا تُسترد إلا عندما نعترف بإنسانيتنا المشتركة، وعندما نرفض أن نكون أطباء صامتين في نظام فاسد أو مرضى مستسلمين، ونختار بدلاً من ذلك أن نكون فاعلين متضامنين، نسعى معاً نحو عالم أكثر عدالة ورحمة، فـ"الحجرة رقم 6" ليست قصة ماضٍ، بل هي تشخيص لحاضرنا، وتحذير من أن الجنون الجماعي الحقيقي قد لا يكون في الهلوسات الفردية، بل في قبولنا السلبي لنظم غير إنسانية، وفي انفصامنا بين الفكر الثاقب والعمل المسؤول.

أمين عام المجلس الصحي العالي السابق

مواضيع قد تهمك