الأخبار

بشار جرار : مَن لعدوّ نفسه؟!

بشار جرار : مَن لعدوّ نفسه؟!
أخبارنا :  

نادرا ما يتمم الناس المقولة الشائعة: الجاهل عدوّ نفسه. هي بحسب من صاغها، الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون، تتساءل في شطرها الثاني: فكيف يكون صديقا لغيره؟!
ما من مفر أمام البقاء في موضوع الساعة وحديث الناس، ألا وهي حرب إيران كتوصيف موضوعي، فإدخال بعض حروف الجر بين الكلمتين، تقلب المعنى رأسا على عقب، فشتان بين حرب في إيران أو على إيران، أو على العرب أو الشرق الأوسط الذي يراد له أن يصبح "جديدا"!
قد يذكر أبناء جيلي تلك الألعاب الشعبية في الحارات قبل ابتكار الصالات الرياضية والأندية المرموقة أو المرفّهة، عندما كانت الملاعب آمنة ومتدنية الكلفة في آن واحد ومتاحة للجميع. رياضات العدْو المرح والقفز العفوي الصحي وغيرها مما كان لا يتطلب سوى "طبشورة" عادة ما يجلبها معه إلى الحارة من كان أحد والديه مدرسا أو "عريف" صفه، بحيث ترسم حدود ألعاب شعبية تراثية كالحجارة السبعة "السبع حجار"، بما يحاكي لعبة البولينغ الأمريكية والتي ترجع أصولها إلى الحضارة الفرعونية قبل ثلاثة آلاف ومئتي عام، أو القفز على رجلين فواحدة مع كل انتقال، داخل مربعات أو مثلثات دائرة في لعبة كانت شائعة إبان حروب لبنان الشقيق التي وصفت على نحو جائر بالحروب الأهلية. كان اسم اللعبة "وقعت الحرب في ..." ويترك الفراغ لتلك المربعات أو المثلثات، كل يكتب اسم البلاد التي كانت الهواجس تطاردها في حال انفلات دوامة العنف من عقالها وانسكاب ويلاتها إلى الجوار.
بالعودة إلى مقولة الحكيم الفرنسي، زادت الأحداث العنيفة، سيما الشرق أوسطية، زادت على تساؤله تساؤلا أكثر إحراجا، ألا وهو الجاهل العدو لنفسه لا يمكن أن يكون صديق غيره، حتى وإن كان أقرب الناس إليه. فكيف يكون الحال لمن ينتظر من ذلك "العدو لنفسه" حفظا للجوار والعهود والأمانات والحرمات؟ وماذا ننتظر من جاهل عدو لنفسه، أن يكون حليفا يعتدّ به، و"ينشد به الحيل"؟!
قبل برجسون بقرون، نصح أبو الفلاسفة الإغريق الحكيم سقراط، نصح بالتعامل مع الجاهل كما يتم تشخيص ومن ثم علاج المريض. فما بالك إن زاد على مرض الجهل، داء الكراهية؟ وكيف سيكون الحال إن مر على ذلك عقود أو قرون دون علاج؟ وما المصير المنتظر لمن زاد على الاثنتين -الجهل والكراهية-، مثلبتين أكثر شرا، هما النرجسية والغرور، وتفاقم الأمر مع اجترار الأزمات والكوارث إلى بلوغ مراحل العناد والكِبَر، فالريبة والغيبيات الأسطورية ذات الطبيعة الكارثية، تلك التي تعرف عالميا بكوارث نهاية الزمان وفناء البشرية، تمهيدا لخلاصها! ولكل روايته الدينية والطائفية والسياسية والأيدولوجية، تبقى في جميع الحالات مهما كانت "سردياتها"، نهايات دمار شامل، أرضية وربما كونية!
صدق أجدادنا بالعمل بقاعدة "داروا سفهاءكم". وقد كانت أسلحة ذلك الزمان "بيضاء"، لم تكن قد بلغت أسلحة الدمار الشامل والتزوير والتضليل والتدليس الإلكتروني عبر الذكاء الاصطناعي وغيره من التطبيقات، والذي استهدف الكثير مما يظنه الناس حقيقة دامغة من بينها مشاهد القصف، وآثار نتائجه، وأطراف المعركة بجميع "ساحاتها"، بصواريخها ومسيّراتها ومسيراتها وبياناتها ذات الوعود الخنفشارية، ولطميات الوعيد الانكشارية!
ما زالت الأحداث تثبت مع كل أزمة وحرب، أن بعض المرضى جهلهم سرطاني، وكذلك داء الكراهية ووباء العنجهية والعبثية والعدمية، فلا يكون الأمر إلا اجتثاثا شاملا كاملا، حتى يستعيد البدن عافيته. وإلا فلا مناص من القطيعة التامة، والتعامل مع مَواطِن الجهل ومراتع الكراهية وأوكار العدوان والبلطجة، واجتناب بمعنى بتر ورذل أدواته الظاهرة والباطنة والكامنة..
المعيار بسيط وقادر على كشف الجميع وفي شتى الاتجاهات. من رمانا ولو بوردة فيها شوكة، نصدّه بعيدا عن حِمانا الذي نعرف جميعا -يعرف القاصي والداني- أنه "في حجم بعض الورد إلا أنه ... لك شوكة ردت إلى الشرق الصبا".
لله درّ أردننا المفدى، كم احتمل وتحمّل..

مواضيع قد تهمك