الأخبار

التصعيد الجيوسياسي بالمنطقة.. هل يتحول إلى صدمة اقتصادية عالمية؟

التصعيد الجيوسياسي بالمنطقة.. هل يتحول إلى صدمة اقتصادية عالمية؟
أخبارنا :  

عبدالرحمن الخوالدة
عمان - تنامى منسوب القلق في الاقتصاد العالمي إلى مستويات مرتفعة مع استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، في ظل غياب أي أفق واضح لوقفها قريباً، وسط تصاعد التحذيرات من تداعيات اقتصادية واسعة قد تهدد استقرار الاقتصاد الدولي وتدفعه إلى مرحلة جديدة من الاضطراب وعدم اليقين.
ويظهر هذا القلق المتصاعد بوضوح في نبرة البيان الصادر مؤخراً عن صندوق النقد الدولي، الذي أشار إلى أن الوضع يتسم بدرجة عالية من التقلب ويزيد من حالة عدم اليقين في البيئة الاقتصادية العالمية، داعياً صناع السياسات إلى التفكير في سيناريوهات غير تقليدية والاستعداد لها في ظل هذا المناخ الاقتصادي شديد السلبية.
وفي هذا السياق، أكد اقتصاديون أن التصعيد الجيوسياسي في الشرق الأوسط ينذر بالتحول إلى صدمة اقتصادية عالمية جديدة، في ظل حساسية الاقتصاد العالمي لأسعار الطاقة، إذ تمثل المنطقة مركزاً رئيسياً لإمدادات النفط والغاز، ما يجعل أي توتر فيها ينعكس سريعاً على الأسعار ومستويات التضخم عالمياً، ويقود بالتبعية إلى تباطؤ النمو الاقتصادي.
ويرى هؤلاء أن استمرار الحرب قد يضع العالم أمام صدمات اقتصادية مركبة تمتد من أسواق الطاقة إلى سلاسل الإمداد العالمية، وصولاً إلى الثقة في الأسواق المالية التي تعاني أساساً من حالة هشاشة واضحة، مرجحين أن تتضح آثار هذه التداعيات بشكل أكبر مع إطالة أمد الصراع.
وأوضحوا أن أبرز هذه التداعيات يتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة، وخاصة النفط والغاز، الأمر الذي ينعكس مباشرة على المؤشرات الاقتصادية الأساسية، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل، ما يرفع مستويات التضخم عالمياً ويزيد الضغوط المعيشية على المواطنين نتيجة ارتفاع الأسعار. وفي الوقت نفسه يضعف هذا الوضع ديناميات الاقتصاد ويحد من فرص النمو، مع تراجع القدرة الشرائية وتقلص الاستثمارات، ما يخلق حالة مزدوجة تجمع بين التضخم المرتفع وتباطؤ النمو.
وفي المقابل، يرى اقتصاديون أنه ليس من الضروري أن يشهد العالم أزمة اقتصادية شاملة كتلك التي حدثت في عام 2008، إلا أن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة شديدة الحساسية، في ظل تراكم أزمات سابقة تتعلق بارتفاع مستويات الدين العام والضغوط التضخمية وتباطؤ النمو في عدد من الاقتصادات الكبرى. ويحذر هؤلاء من أن استمرار الحرب لفترة طويلة أو توسعها جغرافياً قد يزيد من خطر دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة أكثر تعقيداً تجمع بين التضخم المرتفع وضعف النمو.
وكان صندوق النقد الدولي أكد في بيان حديث أنه يتابع عن كثب التطورات في منطقة الشرق الأوسط، مشيراً إلى ملاحظته اضطرابات في النشاط التجاري والاقتصادي، وارتفاعاً في أسعار الطاقة، وتقلبات في الأسواق المالية.
وأوضح الصندوق أن الوضع يتسم بدرجة عالية من التقلب ويزيد من حالة عدم اليقين في البيئة الاقتصادية العالمية، مؤكداً أن الوقت ما يزال مبكراً لتقييم الأثر الاقتصادي الكامل للصراع على المنطقة والعالم، وأن حجم التأثير سيعتمد على نطاق الصراع ومدته.
ويشار إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل شنتا في 28 شباط (فبراير) الماضي حرباً استباقية على إيران، وفق وصفهما، أعقبها تبادل لضربات جوية يومية بين أطراف الصراع، امتدت بعض تداعياتها إلى دول في المنطقة.
اقتصادات المنطقة.. الخاسر الأكبر
ويرى المختص في الاقتصاد الدولي أحمد عوض أن التحذيرات التي أطلقها صندوق النقد الدولي لم تكن مفاجئة للخبراء الاقتصاديين أو لمتابعي تطورات الاقتصاد العالمي منذ اندلاع الحرب، إذ كانت المؤشرات منذ البداية تشير إلى أن استمرار الصراع سيقود إلى تداعيات اقتصادية واسعة، خاصة في ظل حساسية الاقتصاد العالمي لأسواق الطاقة وارتفاع مستوى عدم اليقين الجيوسياسي.
وأوضح عوض أن آثار هذه التداعيات بدأت تظهر بصورة أكثر وضوحاً مع مرور الوقت وإطالة أمد الحرب، ما يعزز المخاوف من اتساع تأثيراتها على الاقتصادين العالمي والإقليمي.
وبيّن أن ارتفاع أسعار الطاقة، ولا سيما النفط والغاز، يعد أحد أبرز القنوات التي تنتقل من خلالها آثار الصراع إلى الاقتصاد العالمي، إذ يؤدي ذلك إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل وارتفاع مستويات التضخم، الأمر الذي يضع ضغوطاً إضافية على مستويات المعيشة ويحد من فرص النمو الاقتصادي.
وأضاف أن حالة عدم اليقين السياسي والأمني في المنطقة تؤثر أيضاً على تدفقات الاستثمار وحركة السياحة، كما قد تدفع العديد من الدول إلى تأجيل خططها الاقتصادية والتنموية.
ومع ذلك، أشار عوض إلى أن الاقتصاد العالمي لا يقف بالضرورة أمام أزمة شاملة في الوقت الحالي، لكنه يمر بمرحلة شديدة الحساسية في ظل تراكم أزمات سابقة، لافتاً إلى أن استمرار الحرب لفترة طويلة أو توسعها جغرافياً قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى مرحلة أكثر تعقيداً تجمع بين التضخم المرتفع وضعف النمو.
وأكد أن التعامل مع هذه التداعيات يتطلب سياسات اقتصادية مرنة قادرة على امتصاص الصدمات، إلى جانب تعزيز التنسيق الدولي في إدارة الأزمات الاقتصادية وتقليل الاعتماد المفرط على مصادر الطاقة التقليدية.
صافرة إنذار مبكر
من جانبه وصف الخبير الاقتصادي طارق حجازي تحذيرات صندوق النقد الدولي بأنها بمثابة "صافرة إنذار مبكر” لواقع جيوسياسي واقتصادي عالمي شديد التعقيد.
وقال إن بيان الصندوق لا يقتصر على رصد التطورات، بل يعكس إدراكاً متزايداً بأن العالم دخل مرحلة من انخفاض اليقين الاقتصادي، ما يعني أن الأدوات التقليدية لإدارة الأزمات قد لا تكون كافية في المرحلة المقبلة.
وأوضح أن التداعيات المحتملة تتحرك في ثلاثة مسارات رئيسية، أولها التضخم الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة، والذي قد يدفع البنوك المركزية إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وثانيها اضطراب الممرات التجارية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع النهائية، وثالثها تقلص الحيز المالي لدى الدول المثقلة بالديون.
وأشار إلى أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تبني سياسات تحوط استباقية، تشمل إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وتنويع مصادر وسلاسل الإمداد، وتعزيز التنسيق بين السياسات المالية والنقدية لتجنب زيادة حالة عدم اليقين في الأسواق.
سيناريوهات الأزمة
بدوره قال الخبير الاقتصادي وجدي المخامرة إن المؤسسات الاقتصادية الدولية تبدي قلقاً متزايداً من احتمال تحول التصعيد الجيوسياسي في الشرق الأوسط إلى صدمة اقتصادية عالمية جديدة.
وأوضح أن الاقتصاد العالمي يعمل حالياً في بيئة شديدة الهشاشة نتيجة تراكم الأزمات، بدءاً من آثار جائحة كورونا، واضطرابات سلاسل التوريد، وارتفاع التضخم، وصولاً إلى تداعيات الحرب في أوكرانيا.
وأضاف أن حساسية الاقتصاد العالمي لأسعار الطاقة، إلى جانب هشاشة الأسواق المالية وارتفاع مستويات الديون، تجعل أي صدمة جيوسياسية قادرة على إحداث تقلبات حادة في الأسواق العالمية.
وأشار المخامرة إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة لتطور الأزمة؛ الأول يتمثل في تصعيد محدود يؤدي إلى ارتفاع مؤقت في أسعار النفط وتباطؤ اقتصادي بسيط، أما السيناريو الثاني فيفترض استمرار الصراع لفترة طويلة بما يقود إلى موجة تضخم مرتفعة وتباطؤ في النمو العالمي وضغوط على الديون الحكومية.
في حين يتمثل السيناريو الثالث، وهو الأكثر خطورة، في توسع الصراع إقليمياً، ما قد يؤدي إلى صدمة طاقة عالمية وركود اقتصادي واسع وسلسلة من الأزمات المالية في عدد من الدول.
وأكد أن الحد من آثار هذه الأزمة يتطلب تنفيذ سياسات مالية مرنة، والحفاظ على حيز مالي لمواجهة الصدمات، إضافة إلى تعزيز التنسيق بين البنوك المركزية واستخدام الاحتياطيات الاستراتيجية وتنويع مصادر الطاقة باعتبار أمن الطاقة جزءاً أساسياً من الأمن الاقتصادي.

ــ الغد

مواضيع قد تهمك