سلطان الحطاب : وقفية خاصة بالثريد في عمان
توقفت عند الخبر الذي قد لا يكون جديداً، وقرأت عن "وقفية الثريد" التي ساهم فيها بنصيب الأسد البنك العربي منذ عام 2022، فما قصة وقفية الثريد ولماذا اختار البنك العربي ذلك؟ ولماذا جرى تعميم هذه الوجبة المميزة؟
قد يرى القارئ أنني ربما أهرب من الكتابة عن الواقع فيما يراه البعض هاماً، ولكنني لا أهرب بمقدار ما أجد عقما في هذا الواقع المعاش، وأنني لم أعد أحتمل ما تحمله الشاشات الى البيوت، وما يسببه ذلك من القهر والغضب، حين نرى أن ملف غزة ما زال مفتوحاً على الحصار والقتل والجوع، وكذلك في الضفة الغربية وجنوب لبنان، وان إسرائيل تفتح الملفات ولا تغلقها، وأنها ما زالت تمارس عدوانها بأبشع أشكاله.
أعود إلى ثريد البنك العربي، ولماذا اختار البنك الثريد كطعام يجري توزيعه بالاف الوجبات في مواقع أبرزها "جوار المسجد الحسيني".
وقفية الثريد قد تكون في عملها أشبه بالتكية التي عرفها التراث، ورغم أن البنك العربي قد شطب من شعاره القديم الجمل والحصان، إلا أنه ما زال يمسك بالتراث، ودليل ذلك احياؤه اكلة الثريد، فما هو الثريد؟
باختصار هو اللحم المطبوخ في مرق والموضوع فوق الخبز الذي هو أشبه بالفتيت، أي إن الخبز المنقوع في الحساء أو المرق وفوقه اللحم هو "الثريد"، وقد تبارى العرب القدماء في صناعة الثريد ليعكسوا فيه تكريم ضيوفهم، حتى أن جد الرسول (ص) لقب بـ "هاشم"، أي الذي يهشم الثريد، أي يفت اللحم لضيوفه بشكل أسهل، وبقي الاسم أو الوصف يحمله هاشم بن عبد مناف.
أما لماذا الثريد آنذاك، فذلك لأن الأرز أو الرز كما يقال بالعامية، لم يكن شائعاً استعماله في بلادنا الى ما قبل خمسين سنة، حيث كان يباع عند العطار وكان يستعمل كدواء وليس، غذاء فكان أن سبق، الثريد المنسف الذي قام على الأرز.
وفي سيرة الرز أو الأرز، كان الذي يسأل عن الرز حين يحمله أحدهم الى بيته يجيب: "بعيد عندك عندنا مريض"، وكان يقال أيضاً: "الله لا يدخل الرز إلى بيتك"، كناية عن دعوة للسلامة، وطغى بعد ذلك استعماله ليقال: (العز للرز)، وأبعد البرغل والخبز وغاب الثريد لفترات ثم أحياه البنك العربي من باب المسؤولية الاجتماعية لإطعام القادمين للمواقع التي يوزع فيها، وقد قام المتطوعون من البنك بتجهيز 2600 وجبة ثريد من أصل 52 ألف وجبة طعام العام الماضي، وذلك لترسيخ قيم التكافل والتضامن.
ورغم أن بلادنا عرفت زراعة الأرز حتى منذ زمن الرومان وخاصة في منطقة الغور، ألاّ أنه تراجع وتوقفت زراعته لأسباب تتعلق بالماء وتكوين المستنقعات وجلب البعوض والتسبب بالملاريا وغيرها،فأصبح يستورد ويقتصر تناوله على (الزناجيل) و(الأفندية)و(ملاك الأراضي)، وقد التقطت أول صورة لطبخ الأرز في الرمثا على يد مستشرقين عام 1905، كما استعمل الأرز مطبوخاً مع الحليب في طعام يسمى "البحتة"، يقدم في الأعراس والمناسبات الجماعية، كما استخدم كخلطة مطحوناً بطحين القمح لعلاج المرضى وفي طقوس الاستشفاء والتشفع والرجاء باعتباره من ركائز القوة والرزق، حين كان يأكل الناس خبز الشعير بعد طحنه بشكل واسع.
وإذا
كان البنك العربي قد أحيا الثريد كوجبة أرادها شعبية بعد أن كانت
للميسورين، فإن باب المسؤولية الاجتماعية يمكن أن يظل مشرعا لإحياء الكثير
من أصناف الطعام والشراب والعادات والتقاليد، ولذا ندعو من ينهضون
بالمسؤولية الاجتماعية الى تعميم ذلك والتوسع فيه. ـ الراي