سلامة الدرعاوي : المدفوعات الرقمية
لم يعد التحول الرقمي اليوم مجرد عنوان عريض يرد في الخطط والاستراتيجيات التي تتبناها الدول، بل أصبح واقعاً ملموساً يُقاس به تقدمها وقدرتها على الاندماج في الاقتصاد الحديث. ولا شك أن أحد طرق قياس هذا التحول يُستمد من خلال ظهوره الفعلي في تفاصيل حياتنا ومعاملاتنا اليومية، فكلما ازداد هذا الحضور، دل ذلك على عمق التحول الرقمي وترسخه في بنية الاقتصاد.
في هذا الإطار، تبرز المدفوعات الرقمية كأحد أبرز المظاهر اليومية على هذا
التحول، فهي الرابط المباشر بين الابتكار التقني والنشاط الاقتصادي،
والمرآة التي تعكس مستوى نضوج التحول الرقمي للدولة.
اليوم لا يمكن لأحد منا أن يُنكر أن الجهاز المصرفي، بقيادة البنك المركزي
الأردني، كان من السباقين في متابعة التطورات العالمية في المدفوعات
الرقمية، وبذل على مدار السنوات الماضية جهودًا متواصلة لتأسيس بنية تحتية
قوية، إدراكا منه أن هذه المدفوعات تُشكل الأساس لتمكين الاقتصاد الوطني من
التحول الرقمي والاندماج الفعّال في الاقتصاد الحديث. وقد تجلّت هذه
الجهود في تطوير منظومة شاملة للمدفوعات الرقمية تضاهي في خدمتها وأمانها
أفضل منظومات الدفع الرقمي المُتبعة في العديد من الدول، وتضع الاقتصاد
الوطني على مسار الاقتصاد الحديث. هذا بالتحديد ما تكشفه قراءة سريعة
لبيانات المدفوعات الرقمية في المملكة لعام 2025، والتي تعكس حجم التحول
الذي شهده سلوك الأفراد والمؤسسات في مجال المدفوعات الرقمية، والاعتماد
اليومي على وسائل الدفع الإلكتروني الذي أصبح جزءًا أصيلاً من المعاملات
المالية في المملكة. ففي عام 2025، نُفذ عبر نظام الدفع الفوري كليك نحو
168 مليون حركة بقيمة تقارب 20 مليار دينار، فيما بلغ عدد المستخدمين لهذا
النظام حوالي 2.1 مليون مُستخدم. كما بلغ عدد المحافظ الالكترونية في
المملكة حوالي 2.8 مليون محفظة نُفذ عبرها نحو 102 مليون حركة بقيمة تقارب
6 مليارات دينار. وبلغ عدد بطاقات الدفع، الصادرة عن البنوك وشركات
الدفع، نحو 9 ملايين بطاقة نُفذ عبرها أكثر من 348 مليون حركة بقيمة
تجاوزت 7 مليارات دينار.
وتظهر البيانات أيضاً أنه تم تنفيذ نحو 75 مليون حركة عبر نظام تحصيل
الفواتير إلكترونياً أي فواتيركم خلال عام 2025 بقيمة تقارب 16 مليار
دينار، مع بلوغ عدد المستخدمين حوالي 5 ملايين مستخدم، وتوسع قاعدة
المفوترين إلى 685 مفوترًا، إضافة إلى أكثر من 2,323 خدمة متاحة، ما يعكس
عمق الاعتماد على القنوات الإلكترونية في تسديد المدفوعات، لا سيما
الحكومية منها، والتي تجاوزت قيمتها 9.5 مليار دينار من إجمالي قيمة
الحركات المنفذة عبر هذا النظام في عام 2025.
بالمجمل، تكشف هذه الأرقام عن تعاملات رقمية بلغت 49 مليار دينار في عام
2025، أي ما يزيد على 116 % من حجم الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم مهول
ما كان أحد يتوقع أن يراه قبل نحو 5 سنوات من الآن عندما كانت هذه
المدفوعات لا تتجاوز 9 مليارات دينار فقط. هذا يكشف عن مدى تغلغل المدفوعات
الرقمية في النشاط الاقتصادي اليومي وتحولها إلى ركيزة أساسية في الدورة
الاقتصادية، ويُعد مؤشراً مهماً على تحسن الشمول المالي في المملكة، لا
سيما بين الفئات الأقل استخداماً للخدمات المصرفية التقليدية.
إن هذا الحجم في المدفوعات الرقمية يفرض على الحكومة أن تلعب الدور الأساسي
في تحفيز هذا التحول، من خلال تحويل كافة المدفوعات الحكومية إلى النظام
الرقمي، وتشجيع القطاع الخاص على تبني المدفوعات الرقمية بشكل أوسع، لما
لهذا التحول من فوائد ملموسة للاقتصاد، بما في ذلك تسريع حركة الأموال،
وتعزيز الشفافية المالية، وخفض التكاليف التشغيلية للمؤسسات والأفراد،
فضلاً عن دعم الشمول المالي، وتشجيع الابتكار، إلى جانب تقدير حجم الاقتصاد
غير الرسمي بشكل أفضل، بما يعزز كفاءة الأداء الاقتصادي بشكل عام. ــ الغد