الأخبار

هزاع البراري : الأردن بين الحياد الدبلوماسي والاشتباك الجيوسياسي

هزاع البراري : الأردن بين الحياد الدبلوماسي والاشتباك الجيوسياسي
أخبارنا :  

لدى الأردن دبلوماسية راسخة، عمادها الحياد في النزاعات الإقليمية، خاصة التي لا تخدم القضية العربية الجوهرية فلسطين، إذ إن المصلحة الوطنية العليا بعيدة عن الاصطفاف العسكري أو الطائفي أو المذهبي، وهذا ما يمنح الأردن استقرارًا ملموسًا يتجلى في مفاصل المواجهات الإقليمية المباشرة، وهو أيضًا يعطي الأردن مصداقية في التحرك عالميًا لحلحلة كثير من عقد المنطقة التي تلقي بظلالها عليه وعلى المحيط برمته، فتضرب خطط التنمية ومشاريع النماء الاقتصادي، ليس في الأردن فقط بل في مجمل الشرق الأوسط، وهي دبلوماسية معبرة عن نهج واضح وطويل المدى، وعن رؤى سياسية ثاقبة وبعيدة المرامي، لذا نجد أن الأردن الرسمي يسبق الأحداث دائمًا بسلسلة من التنبيهات والتحذيرات التي يحملها الملك معه أينما حلّ في المحافل الدولية والإقليمية، ضمن فهم عميق بأن عدم حل المشكلات المزمنة بعدالة جرَّ وسيجرُّ المنطقة إلى مزيد من التصعيد والصدام الدموي.

غير أن الواقع الجيوسياسي، وهو قدر الجغرافيا السياسية الذي لا مفر منه، يفرض على الأردن تحديات أمنية وعسكرية لا مناص منها، فبين حفظ سيادة الدولة وصون حدودها برًّا وبحرًا وجوًّا، ومنافحةً عن استقلالية قرارها وتوجهاتها، يصبح الاشتباك مع نواتج هذه المتغيرات حتميًا، فنجد أننا رغم الحياد الدبلوماسي في النزاعات خارج الحدود نرفض أن نقع تحت وطأة ظلم الجغرافيا السياسية، فنتيح أجواءنا وحدودنا لأي طرف كان، فقد فرضت علينا عقيدة حفظ السيادة وصون أمن الأردن وسلامة شعبه وقراره أن تخوض القوات المسلحة الأردنية مواجهات على الحدود وخارجها، لضرب أوكار الإرهاب المدعوم من دول طامحة تبحث عن موطئ قدم استعصى عليها، كما أن حماية الأجواء السيادية ركن مقدس لا يمكن تجاوزه أو غض الطرف عنه.

الاشتباك الذي يأتي استجابة للواقع الجيوسياسي، مقرونًا بالسيادة والكرامة الوطنية والاستقلالية، لا يتناقض مع الحياد الدبلوماسي/السياسي، كما أن الحياد هنا لا يعني النأي بالنفس عن تسمية الأشياء بمسمياتها، فالعدوان عدوّنا دائمًا، والتهديد للسلم الإقليمي مُعرَّف وواضح المعالم، والدول التي تدعم الميليشيات وتسعى إلى تفكيك الدول تقف على رأس مشاريعها عيانًا بل على مرأى من العالم القريب والبعيد، لكن الحياد الذي نقصده أننا لا نقاتل بالنيابة عن أحد، ولا نحمل أجندات جهة غير الوطن، ولا نشارك ظالمًا أو معتديًا، لكن وسط كل هذه الفوضى الشرق أوسطية تكون اليقظة الوطنية أساس سلامة الأردن وأمن شعبه، بعيدًا عن المزايدات الفارغة والشعارات غير الوطنية، والمطالبة بحمل مشاريع خارجية هدامة لم تقدم للمنطقة سوى الانقسام والضعف والظلم، ونصر فئة على حساب فئة في الوطن الواحد.

إذًا لا بد من الاشتباك الجيوسياسي الذي يهدد أمن وسيادة الأردن، والذي يمتن الحياد الدبلوماسي ويمكنه من تحقيق الأثر الإيجابي في المساهمة بخفض التصعيد وإيجاد حلول عادلة بعيدة المدى لمشاكل مزمنة وذات طابع دموي مدمر، هذه العوامل التي قد تبدو متناقضة هي من صنع الأردن القوي، وهي ما أكد عند كل منعطف خطر أن الهشاشة بعيدة كل البعد عن المؤسسات الوطنية، وعلى رأسها الجيش والأجهزة الأمنية، مع التأكيد أن حماية السيادة لا تقتصر على الحدود والأجواء، بل إن تصفية الصوت الوطني الحقيقي وتنقية الساحة المحلية من نعيب الغربان وممن يلهجون بأجندات خارجية هو جزء أساسي من هذه المواجهة الحتمية، عليها أن تصهر الجميع في بوتقة الوطن الواحد وإن اختلفت الآراء وتعددت الاجتهادات، فسلامة الأردن ومنعته تعني الجميع وتنعكس على الجميع، فا الواقع الإقليمي اليوم أكثر تعقيدًا وغموضًا من أي مرحلة سابقة.

ــ الراي

مواضيع قد تهمك