الأخبار

سارة طالب السهيل : البحث العلمي ضرورة استراتيجية للّحاق بركب الحضارة (2-2)

سارة طالب السهيل : البحث العلمي ضرورة استراتيجية للّحاق بركب الحضارة (22)
أخبارنا :  

العلوم في مرحلة الطفولة ليست مجرد معلومات، بل هي طريقة في مواجهة العالم. حين يدرب الطفل على الملاحظة والتساؤل والفرضية والتجربة، فإنه يكتسب أدوات تفكير تنطبق على كل مجالات الحياة. هذا هو جوهر تعليم البحث العلمي الذي يحتاج إلى ترجمة عملية في مناهجنا.

 

التقدم التكنولوجي المتسارع في الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والتقنيات الحيوية يعيد تشكيل خريطة الثروة العالمية. الدول التي تمتلك القدرة على إنتاج هذه التقنيات ستحدد قواعد اللعبة في القرن الحادي والعشرين. والدول التي تكتفي بدور المستهلك ستدفع ثمناً مضاعفاً: ثمناً مالياً لاستيراد التكنولوجيا، وثمناً وجودياً يتمثل في فقدان السيادة المعرفية. وهذه ليست مجرد مقولات نظرية. جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) استطاعت في عام 2025 أن تضم 16 باحثاً من الأكثر استشهاداً في العالم، وهم يمثلون 59% من إجمالي الباحثين السعوديين في هذه القائمة المرموقة. هؤلاء العلماء الـ16 يحملون 13 جنسية مختلفة، ويجرون أبحاثاً في تحلية المياه بالطاقة الشمسية، واحتجاز الكربون، والهيدروجين الأخضر، والحوسبة الكمومية. هذا دليل على أن البيئة العلمية الجاذبة تستطيع استقطاب العقول من كل العالم. لكن السؤال المقلق: من أين يأتي الجيل القادم من هؤلاء العلماء إن لم نبدأ بتدريب الأطفال اليوم؟

نحن نواجه هنا معضلة حقيقية: ننفق القليل على البحث العلمي، وهذا القليل يذهب إلى جامعات ومراكز تتعامل مع خريجين تلقوا تعليماً علمياً ضعيفاً، وهذا التعليم الضعيف ينتج خريجين لا يستطيعون المنافسة عالمياً، مما يبرر استمرار ضعف التمويل بحجة "ضعف المخرجات". هذه الحلقة المفرغة لا يمكن كسرها إلا من المدخل الصحيح: تعليم البحث العلمي في الطفولة.

العلاقة المحدودة بين الجامعات والصناعة في العالم العربي، حيث لا تتجاوز نسبة الأبحاث التي تتم بالتعاون مع القطاع الخاص 2.7%، تعكس قطيعة خطيرة بين منتج المعرفة ومستخدمها. الطفل الذي يدرس العلوم في المدرسة لا يرى كيف تتحول هذه العلوم إلى منتجات وشركات ووظائف، لأن هذه الحلقة مفقودة في المجتمع. بناء جسور بين المؤسسات التعليمية والشركات التكنولوجية الناشئة، واستضافة المخترعين والمهندسين في المدارس، وزيارة المصانع والمعامل، وتحويل قصة نجاح المخترعة المصرية سوزان دوش أو المخترعة العراقية نجوى أبو مقداد إلى مادة دراسية وحكاية تُروى في البيوت، كلها أدوات لجعل المسار العلمي مرئياً ومرغوباً. بدلا من التركيز فقط على نجوم الفن والرياضة

وهذا لا يعني أن الآداب والتخصصات الأخرى ليست بنفس الأهمية وإنما نحن نحتاج إلى التنوع والاكتفاء بكل الحقول.

لا يمكن إنكار أن بعض العوائق التي تواجه التوجه نحو العلوم في العالم العربي هي عوائق ثقافية عميقة الجذور. صورة العالم في الدراما العربية لا تزال نمطية، والكليات العلمية لا تحظى بالمكانة الاجتماعية نفسها التي تحظى بها كليات الطب والهندسة، بل إن بعض كليات العلوم الإنسانية ذات التقاليد العريقة تتفوق عليها في المكانة الاجتماعية. لكن هذه الصور قابلة للتغيير، بل هي تتغير بالفعل. ما فعله مشروع "البرمجة للجميع" في لبنان هو تغيير للصورة النمطية، وتقديم المبرمجة كبطلة، وجعل المهندسة قدوة للفتيات، وتحويل البرمجة من نشاط نخبوي إلى تجربة جماعية ممتعة. هذا النوع من التدخلات الرمزية له تأثير لا يقل عن تأثير السياسات الكبرى، لأنه يعيد تشكيل المخيال الاجتماعي حول العلم والعلماء.

الانتقال المطلوب هو من ثقافة استهلاك العلم إلى ثقافة إنتاج العلم. مجتمعاتنا تستهلك التكنولوجيا بشراهة، وأطفالنا خبراء في استخدام التطبيقات والأجهزة، لكنهم لا ينتجونها. سد هذه الفجوة يتطلب تحويل الفضول التكنولوجي الطبيعي لدى الأطفال إلى فضول معرفي منهجي. ليس السؤال: كيف أستخدم هذا التطبيق؟ بل: كيف صُنع هذا التطبيق؟ وهل أستطيع صنع تطبيق أفضل؟

هذا التحول لا يمكن أن يحدث بتعميم أو بشعار. إنه يحتاج إلى سياسات واضحة مثل إدراج منهجيات البحث العلمي في المناهج الابتدائية، تدريب المعلمين على أساليب التعلم القائم على المشاريع والاستقصاء، إنشاء نوادٍ علمية في المدارس مرتبطة بجامعات ومراكز بحثية، تخصيص جوائز وطنية للابتكار المدرسي، واستثمار الإعلام في تقديم نماذج القدوة العلمية العربية بدلاً من الاقتصار على نجوم المبيعات والدعايات تحت مسمى مشاهير وبلوحرات .

اللحاق بالركب العلمي العالمي ليس ترفاً فكرياً، ولا هو مسؤولية وزارة التربية وحدها، ولا يمكن اختزاله في زيادة عدد المدارس المجهزة بمعامل حديثة. إنه مشروع مجتمعي شامل يبدأ بإعادة تعريف العلاقة بين الطفل والمعرفة، ويمر بتحويل المدرسة إلى ورشة بحث دائمة، ويبلغ مقصده في تحويل الاقتصاد من مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج لها.

الإحصاءات تحمل بشرى أن العالم العربي يمتلك بنية تحتية بحثية نامية، وطاقات بشرية هائلة، ونماذج ناجحة يمكن البناء عليها. التحدي أن هذه الإنجازات تظل هشّة ما لم تُروَ باهتمام مبكر ومنتظم بالأجيال الجديدة.

تعليم البحث العلمي للأطفال ليس وسيلة لزيادة عدد العلماء فقط، بل هو مشروع لصناعة مواطن مختلف: مواطن لا يخاف من المجهول، ولا ينتظر الحلول الجاهزة، ولا يرضى بالتبعية. اللحاق بالقطار العلمي العالمي لا يزال ممكناً، لكنه يتطلب أن نبدأ اليوم، وفي أيدينا مفاتيح المعامل لا مفاتيح القاعات، ونحن نهمس في آذان أطفالنا أن السؤال أهم من الإجابة، وأن الخطأ في التجربة أفضل من الصمت في الامتحان، وأن مستقبل هذه الأمة سيكتبه من يفهم لغة الكود (لغة البرمجة والتقنيات الرقمية)، لا من يحفظه فقط.

مواضيع قد تهمك