الأخبار

رمزي الغزوي : عقلنة المجنونة الصغيرة

رمزي الغزوي : عقلنة المجنونة الصغيرة
أخبارنا :  

الرجل الخمسيني الذي شاركنا عملية انتقاء حبات البندورة من بسطة رأس الحسبة قال ضاحكاً إن أولاده الأشرار لا يحبونها إلا وأسعارها في العلالي، فهي تغدو فاكهتهم الوحيدة والمفضلة، فيما اقترحت سيدة، أن نعود إلى تخزينها أيام رخصها لمواجهة فلتان أسعارها هذه الأيام.

لربما نختلف ونتباين في تسميتها، طماطم، أو حماطة، أو قوطة، أو بندورة، فيما يتغزل فيها المحبون ويدلعونها بتفاحة الحب، أو الفاكهة الذهبية، وسنتفق ونؤيد أولاد ذلك الرجل أن لا مذاق يعلو مذاقها، ولا رونق يشمخ على رونقها، سيما في أوقات طيرانها.

في زمن ما قبل البيوت البلاستيكية وتقنيات الزراعة الحديثة، لم تكن الخضار تتوافر على مدار العام، ولهذا كان يعمد الأردنيون إلى تشريح البندورة وتسطيحها، وتجفيفها على أسطح البيوت وحفظها لغير موسمها.

قبل سنوات اقترحت أن نقيم مهرجاناً ضاحكاً عبثياً لبندورة غور الصافي تحديدا. ولا بد أنكم تذكرون مشهد المزارعين هناك، وهم يدلقون محصولهم الوفير منها في طول الشارع وعرضه احتجاجاً على تدني أسعارها. اقترحت مهرجانا نتجمع إليه من سائر المدن لنشعل معاركنا ونتراشق بحباتنا حتى يتدفق نهر «الكاتشب»، علنا نلفت الانتباه إلى مشكلة متغلغلة فينا لم نجد لها حلا حتى الساعة.

لا يرتكز ارتفاع أسعارها اليوم إلى أسباب مقنعة، إلا إذا كانت حرب إيران هي كلمة السر الخفي، أو بمناسبة شهر رمضان الفضيل وروحه التضامنية، كما حدث مع كثير من السلع شاطت وماطت. ولربما أن السبب يكمن في ديناميكية السوق المركزية وسيادة نظام تسويقي ظالم لا يخدم إلا التجار الكبار ويسحق الصغار والمزارعين معا.

تلك السياسة التسويقية التي أوصلتنا إلى حدّ أن يدلق الناس تعبهم وعرقهم على الأرض في أشهر الخريف، هي ذاتها التي رفعت سعر تفاحة الحب الآن.

يطلق المصريون لقب المجنونة على البندورة، ليس للونها الجاذب لموجات الجنون وأطيافه وأسيافه. بل مجنونة كون لا أحد يستطيع التكهن متى ترتفع أسعارها ومتى تلين؟ فمن يضع حداً لتلك المهزلة ويُعقلن مجنونتا الصغيرة؟ سيما ونحن في أيام لا أحد يقدر على عقلنة مجنونتنا الكبيرة الأرض وقد حمّرتها الحروب.

مواضيع قد تهمك