الأخبار

د. محمد صبحي العايدي : السرديات (2): كيف نصنع سردية وطنية جامعة؟

د. محمد صبحي العايدي : السرديات (2): كيف نصنع سردية وطنية جامعة؟
أخبارنا :  

السردية الوطنية ليست مجرد خطاب سياسي، بل هي أحد أهم عوامل استقرار الدول، فالدولة التي تمتلك سردية واضحة تمنح مجتمعها فهماً مشتركاً لتاريخها ودورها ومستقبلها، بينما يؤدي غياب هذه السردية إلى تشتت الوعي العام، وتضارب التفسيرات في أوقات الأزمات، هنا تصبح صناعة السردية الوطنية جزءاً أساسياً من بناء الدولة الحديثة.

ومن هنا يمكن القول إن بناء سردية وطنية متماسكة يقوم على عدة أسس كبرى:
أولاً- الوعي بالتاريخ:
فالأمة التي تفقد صلتها بتاريخها تفقد القدرة على فهم حاضرها، لأن التاريخ هو المادة الخام التي تصاغ منها الهوية الوطنية، بشرط عدم الغرق في الماضي، أو تحويله إلى مجال للصراعات، بل قراءته قراءة نقدية متوازنة، تبرز عناصر القوة والتجربة المشتركة بين جميع مكونات المجتمع التي صنعت هذا الوطن.
ثانياً- تحديد الفكرة الجامعة التي يقوم عليها الوطن:
كل سردية وطنية قوية تقوم على فكرة مركزية واضحة، قد تكون فكرة الحرية أو الاستقلال أو النهضة أو الوحدة أو الرسالة الحضارية، هذه الفكرة هي التي تمنح المجتمع إحساساً بأن وجوده ليس مجرد تجمع جغرافي أو إداري، بل مشروع تاريخي مشترك يسير نحوه الجميع.
ثالثها- تحويل الهوية الوطنية إلى معنى جامع يتجاوز الانقسامات:
فالسردية الوطنية الحقيقية لا تبنى على إقصاء مكونات المجتمع أو إلغاء تنوعه، بل على تحويل هذا التنوع إلى جزء من القصة الوطنية الكبرى، القائمة على قيم العدل والاستقرار والمصلحة العامة، التي هي امتداد عملي لمقاصد الدين في المجال السياسي والاجتماعي، فحين يشعر المواطن أن هويته الخاصة جزء من هوية وطنية أوسع، تتحول الدولة من كيان سياسي إلى مساحة مشتركة للانتماء الوطني، ولهذا فإن من أهم شروط نجاح أي سردية وطنية أن تكون شاملة لكل أطياف المجتمع، وأن تقوم على الاعتراف بالتعددية داخل إطار الوحدة الوطنية، فالسردية التي تبنى على أساس الانقسام أو الإقصاء، سرعان ما تتحول إلى عامل تفكك، لا مصدر قوة، أما السردية التي تستوعب التنوع الاجتماعي والثقافي، وتجعله جزءاً من فسيفساء القصة الوطنية، فإنها تعزز وحدة المجتمع، وتعمق شعور الانتماء المشترك.
رابعاً- حضور السردية في التعليم والثقافة والإعلام:
فالسرديات لكي تنجح لا بد من أن تنتقل عبر المدرسة والجامعة والأدب والفن والإعلام، والأجيال الجديدة تكتسب وعيها الوطني من القصص والمعاني التي تتكرر في وعيها منذ الصغر، لا بالشعارات، وتشكل تدريجياً فهمها للوطن، ودورها فيه.
خامساً- الصدق مع الواقع:
السردية الوطنية التي تنفصل عن واقع المجتمع سرعان ما تفقد مصداقيتها، لذلك فإن أقوى السرديات هي تلك التي تعترف بالتحديات والأخطاء، لكنها في نفس الوقت تقدم رؤية للمستقبل، تجعل الناس يشعرون بأنهم جزء من مشروع يتجاوز اللحظة الراهنة.
والمجتمع الذي تضعف فيه السردية الوطنية يصبح أكثر عرضة للتشتت في لحظات الأزمات، عندما تواجه الدولة تحديات سياسية أو اقتصادية أو أمنية، لا يجد الناس إطاراً فكرياً مشتركاً يفسر لهم ما يحدث، فتتعدد الروايات، وتتناقض التفسيرات، ويصبح كل طرف أسيراً لروايته الخاصة.
وفي مثل هذه الحالات يزداد سوء الفهم بين الدولة والمجتمع، فقرارات الدولة وسلوكياتها السياسية التي قد تكون جزءاً من حسابات إستراتيجية، أو معادلات إقليمية معقدة، قد تفهم داخلياً على أنها تناقض أو ارتباك، ومع غياب الفهم المشترك للسردية الوطنية، يتحول النقاش العام إلى حالة من الارتباك والفوضى الفكرية، التي تفاقم الأزمات الداخلية، وتشاغل السياسة الخارجية.
وأما إذا فهم المجتمع هذه السردية الوطنية، فإنه يدرك على ضوئها القرارات الكبرى، ويستوعب التحديات التي تواجه دولته، فتتجه طاقاته وجهوده نحو أهداف واضحة ومحددة، وتمنحه إطاراً مشتركاً للفهم، ومن خلال هذا الإطار يصبح الاختلاف في الرأي جزءاً من النقاش الطبيعي داخل المجتمع، لا سببا للانقسام أو التشكيك في فكرة الدولة نفسها.
ولهذا فإن السردية الوطنية في جوهرها بناء للوعي قبل أن تكون بناء للخطاب، وهي عملية طويلة تشترك فيها النخب الفكرية، والمؤسسات التعليمية والثقافية والدينية والإعلامية، لأن السرديات التي تصمد في التاريخ لا تصنعها اللحظة السياسية المؤقتة، بل يصنعها الوعي العميق بذات الأمة ورسالتها.
وفي النهاية يبقى السؤال الكبير أمام الجميع، هل نكتفي بأن نكون موضوعاً لسرديات الآخرين، أم نمتلك القدرة على صياغة قصتنا نحن؟.
*باحث في الفكر الإسلامي

ــ الغد

مواضيع قد تهمك