م. فواز الحموري : انتقد لكن قدّم
تنتشر عبارات النقد اللاذع مثل الفيروسات في الأجواء، وتعمل على إشاعة الإحباط والتشاؤم وفقدان الأمل والرجاء، بل وتثني عن محاولة التحسين والمساهمة الإيجابية، وإن كانت صعبة وبعيدة المنال.
أتساءل (وربما مثلي الكثير) عن أهداف النقد اللاذع على المدى البعيد، وعن تأثيره في جعل السلبية تتسلل إلى الحياة وتبعد مجالات الإصلاح عن الطريق، دون مراعاة أو استناد إلى الحقيقة والمرجعية والإثبات وأخلاقيات الحوار البنّاء.
اللافت للاهتمام هو أخذ جزئيات من أي قضية وبناء نص لاذع ومغلف بالهجوم، والانسياق وراء الانفعال دون مبررات صحيحة وسليمة ودقيقة حول موضوع معين ومجال محدد، وربما تخصص دقيق.
بطبيعة الحال، هناك الكثير من العيوب والعقبات والتحديات، ولكن المطلوب دومًا الدفاع عن الجانب المشرق والإيجابي في مجمل حياتنا، وإنارة الدرب بالخير وإمكانية التغيير والتحسين والتطوير قدر الإمكان، وترك بصمة لنا في مجمل ذلك وتعديل السلوك.
مثال بسيط وواقعي يشير إلى ارتفاع بعض أسعار الخضار، والتي لها من الأسباب الكثير، ولكن ما يهم من الأثر الإيجابي هو القناعة بالاستغناء قليلًا عن الأصناف التي يرتفع سعرها، فالبدائل عنها كثيرة، إلى جانب التصرف العقلاني والنقد البنّاء وتعديل السلوك ونمط الاستهلاك والصبر، وتلك بداية الطريق.
تفرض الظروف السياسية الراهنة نمطًا جديدًا ليس بالتحليل وتراشق البطولات والكلام، ولكن بالتدبر فيما يحدث والتأقلم مع الظروف الصعبة والقاسية، والوعي التام بكيفية التعامل مع معيشتنا وأسلوب سلوكنا في حال فقدان بعض البنود الترفيهية في مضمون يومنا العادي.
أحيانًا نسمع النقد اللاذع، وعندما نشاهد في عمّان والمحافظات حجم السيارات وباقي البنود من سلوك الاستهلاك والرفاهية نصاب بالدهشة من حجم الشكوى ومبررات النقد اللاذع لإجراءات الحكومة في قضية معينة، ونحن نستغرق في التسوق في المولات وننعم بالكثير من مباهج الحياة والنعم.
بالطبع هناك فئات محتاجة ومهمشة، وتلك حقيقة، ولكن قبل النقد اللاذع، هل نعي بحق حجم ما ننفق من دخل على الاستهلاك بشكل عام، وعن فاتورة ذلك غير الماء والكهرباء والوجبات السريعة وبوفيهات الإفطار، وحجم ما يتبقى ويزيد عن الحاجة؟
البدائل الصعبة والتعامل معها هي المهارة المطلوبة بدل التذمر والشكوى، وربما التفكير جديًا في تعديل السلوك، ورمضان فرصة لذلك من خلال الترشيد الاستهلاكي والروحي تجاه الحياة والموارد والإمكانات.
كيف ننظر للحياة مع خضم التصعيد والظروف المحيطة، والجهود المبذولة في الدولة الأردنية للتعامل مع الأزمات المتتالية والثقيلة وعلى المستويات كافة؟ بل كيف نساهم في تخفيف أثر وعبء الحياة بشكل عام؟
النقد البنّاء هو المطلوب، بصوره وأشكاله وطرق التعبير عنه، وكم نفتقد للدراما الأردنية الجادة التي كانت تنتقد بوضوح وأدب والتزام، وكم نعاني اليوم من سخافة ما يُعرض من أعمال مسيئة للذوق العام والمضمون، ولا تقدم سوى الضجيج لا غير.
الانتماء وتحمل المسؤولية من متطلبات الشعور بالراحة، وليس الشعبوية، فالنقد اللاذع أداة من أدواتها للحصول على متابعات أكثر وبطولات لا تقيد أحدًا وتنظير لا يعالج مشكلة، ولا حتى مسألة خاصة أو مطلبًا.
الحل هو الملاذ لمواجهة النقد مهما كان نوعه وهدفه، والبناء هو بديل الهدم، ولهذا ودوماً، ولأجل ما هو آتٍ علينا جميعًا، يجب الوعي التام بما يحدث من حولنا، والمحافظة على بلدنا، والتعامل مع الأزمات بثقة أننا نستطيع ونقدر على تجاوزها كما فعلنا سابقًا، وأننا نفكر بإيجابية ونتقبل النقد البنّاء والمفيد على المستوى الشخصي والعام.
اشتكي لكن أثبت،
تذمر لكن إعمل،
احلم لكن اسعى،
انتقد لكن قدّم، وذلك هو المختصر المفيد.