الأخبار

احمد الحوراني : كميل افرام .. أربعون يومًا على الرحيل

احمد الحوراني : كميل افرام .. أربعون يومًا على الرحيل
أخبارنا :  

قبل نحو أربعين يوما طوى الردى الأستاذ الدكتور كميل افرام والذي عرفه المجتمع الأردني علما من اعلام الطب والفكر والإعلام، فأسدلت الستارة بذلك على حياة إنسان لا يمكن النظر إليها بحسابات السنين والأيام إذا ما قيست بحجم العطاء والتفاني والانجاز الذي قدمه الفقيد أبو موسى لوطنه وأمته ولأهله وناسه، إذ تقتضي اعتبارات المنطق والانصاف القول فيه أنه كان لكل مجتمعه ولم يكن لفئة دون أخرى، فالرجل كان مُحبًّا للجميع بلا استثناء، فعرف كيف يكون توافقيًا ومتفاعلًا مع محيطه دون اعتبار للون أو لدين أو للغة أو لجنس، ولطالما كان يحدثني بإعجاب وبكلمات صادقة مخضّبة بالحرص على تماسك المجتمع وكان يرى بأن الهوية الوطنية وفق مقاييس الأردنيين لا تقاس بالأصل او العرق او اللغة او الدين لأنها هوية الأرض والانتماء والإخلاص للعرش والوطن؛ إخلاص دائم سرمدي أبدي لن يجد عنه الأردنيون تبديلا ولا تحويلا.

عرفت كميل افرام معرفة عميقة عن قرب، وأسعدني في الرجل صفات قلّما تجدها مجتمعة في شخص واحد وفي آن واحدٍ، وعلى امتداد علاقتي به فإنه لم يغادر يومًا مساحات مودتي واحترامي لاعتبارات موضوعية يأتي في مقدمتها حجم النبل والنقاء والتواضع الذي كان يرافق سلوكه الشخصي، فكان رصينًا مخلصًا للدولة والعرش، وصاحب خلق رفيع وكلمة جريئة وصوت صريح واضح يعلن فيه دومًا مواقفه الوطنية بتلقائية متناهية، ومن هنا كانت مقالاته عبر زوايا جريدة الرأي تأتي من الشمولية بمكان لتكفي شرح وجهة نظره إزاء كل قضية كانت تُطرح للنقاش أو تحتاج إلى رؤى وتحليل، وزد على ذلك أنها كان انعكاس لنبل الرجل وصدق انتمائه الذي كان ركنًا أساسيا في مسيرته النقية الحافلة التي لا يجسّدها إلا الكبار، وبذلك حُقَّ لنا اليوم أن نخاطب روحه الطاهرة المُسجّاة تحت الثرى ونقول له (لقد كنت يا أبا موسى وطنيًا شريفًا نبيلًا نزيهًا تدرك قيم الوطنية والمواطنة بشرف، كما كنتَ وقدوة في التواضع والسلوك المنضبط الرَّصين، ومثالًا في الإخلاص للعمل برجولة وشجاعة وتفانٍ، وأيقونة في الإخلاص العميق للقيادة والوطن والتراب، فنم قرير العين).

كميل افرام أحد أعمدة الحكمة الوطنية ورمزًا من رموز نزاهتها، وكل ذلك جعله واحدًا من الكبار الذين لا يرحلون، لأن أقصى ما يفعله الموت فيهم هو أن يحجبهم عن العيون، وأما أفعالهم ومآثرهم فباقية فينا وفي وطنهم ما حيينا، فكيف إذا كان الفقيد طبيبًا إنسانًا يتحتم علينا استذكار تفانيه الفطري البسيط في خدمة أهله ومرضاه دون تعب أو كللٍ أو ملل أو غضبٍ من نكران، ولعمري أن ذاك هو المستحيل بعينة في سجايا الطبيب أبي موسى الذي كان مُرحّبًا ومبتسمًا في وجه كل من طرق بابه أو استنجد به ملهوفًا من تصاريف الدنيا أو ضيق أسباب مداواة.

كميل افرام، سلام عليك يا سيد الوفاء والاستقامة، لقد رحلتَ مؤمنًا ولم تجزع من خطب ولم تستسلم لنازلة ولم تقنط قط من رحمة ربك، وكل الضمائر النقية والتقية قد حزنت لموتك ودعت لك بالرحمة والمغفرة آناء الليل وأطراف النهار وأن يجعلك الله مع القديسين والصالحين، ولقد أدركنا فيك سجاياك ونُبل عطاياك، وحجم المروءة في قلبك، فسكنت قلوبنا وحواسّنا حيًّا وميّتًا، فلعل الدعاء يجبر قبسًا من قصورنا نحوك، وفتات من عجزنا الذي لا يُجبر بعد غيابك، والعاقبة في زوجتك وكريمتيك وموسى الذي يشبهك خلقًا وسموًا ورفعة وعلمًا.

مواضيع قد تهمك