د. صالح سليم الحموري : نحن نعيش في عالم الفوكا
في صباحٍ عادي، قد تستيقظ على خبرٍ يغيّر العالم.
قرار اقتصادي في عاصمة بعيدة يهزّ الأسواق، خوارزمية جديدة تعيد تعريف مئات الوظائف، أو أزمة سياسية تتحول خلال ساعات إلى صراع مفتوح. يحدث كل ذلك بينما يواصل الناس يومهم المعتاد: قهوة الصباح، الطريق إلى العمل، واجتماعات مليئة بخططٍ للمستقبل.
لكن الحقيقة التي بدأت تتكشف بوضوح هي أن العالم لم يعد كما كان. لم يعد يسير وفق مسارات يمكن التنبؤ بها، ولا وفق قواعد مستقرة يمكن البناء عليها.
لقد دخلنا عصرًا يصفه خبراء الاستراتيجية بعالم VUCA — عالم يتسم بالتقلب (Volatility) وعدم اليقين (Uncertainty) والتعقيد (Complexity) والغموض (Ambiguity).
كان هذا المفهوم في السابق يُستخدم لوصف بيئات الأعمال أو ساحات الصراع العسكري، لكنه اليوم أصبح توصيفًا دقيقًا لحياتنا اليومية. فالأحداث تتسارع، والأنظمة تتشابك، والقرارات التي تُتخذ في مكان ما قد تُحدث تأثيرات عميقة في أماكن بعيدة.
في عالم كهذا، لم يعد السؤال: ماذا سيحدث؟ بل أصبح: كيف نستعد لما قد يحدث فجأة؟
لقد بُنيت معظم نماذج "الإدارة والتخطيط" في القرن الماضي على فكرة الاستقرار النسبي. كانت المؤسسات تضع استراتيجيات طويلة المدى، وتبني توقعاتها على بيانات الماضي، وتفترض أن التغيير سيكون تدريجيًا ويمكن احتواؤه.
لكن "عالم الفوكا" كسر هذه الفرضية.
فالتكنولوجيا تتطور بسرعة غير مسبوقة، والأسواق تتقلب بتأثير أحداث جيوسياسية أو ابتكارات تقنية، وسلاسل الإمداد العالمية أصبحت أكثر تعقيدًا وترابطًا مما كانت عليه في أي وقت مضى.
لهذا بدأت المؤسسات الأكثر تقدّمًا تتبنى مفاهيم جديدة مثل "الرشاقة المؤسسية"، و"التجريب السريع"، و"التعلم المستمر". لم يعد النجاح مرتبطًا فقط بحجم الموارد، بل بقدرة المؤسسة على "التكيّف السريع مع المتغيرات".
وفي هذا السياق، يتغير دور القيادة أيضًا.
القائد في عالم الفوكا ليس من يملك كل الإجابات، بل من يملك القدرة على "قراءة التعقيد"، وطرح الأسئلة الصحيحة، واتخاذ قرارات مسؤولة رغم الغموض. إنه قائد يدرك أن المستقبل لا يمكن السيطرة عليه بالكامل، لكن يمكن الاستعداد له بالعقل المفتوح والمرونة الاستراتيجية.
ومع هذا التسارع، تبقى "القيم الإنسانية" عنصر التوازن في المعادلة. فالقرارات السريعة دون بوصلة أخلاقية قد تحقق مكاسب آنية، لكنها قد تخلق أزمات عميقة على المدى الطويل.
ولعل الشرق الأوسط اليوم يقدم أحد أوضح الأمثلة على عالم الفوكا في صورته الواقعية. فالمنطقة تعيش تحولات متسارعة تتداخل فيها السياسة، والاقتصاد، والطاقة، والتكنولوجيا. من غزة إلى البحر الأحمر، ومن تحولات التحالفات الدولية إلى سباقات النفوذ الإقليمي، تبدو الأحداث وكأنها تتحرك بوتيرة أسرع من قدرة التوقع.
في مثل هذا العالم، يصبح فهم الفوكا ليس تمرينًا فكريًا، بل ضرورة استراتيجية.
فالتحدي لم يعد في معرفة ما سيحدث غدًا، فذلك أصبح أكثر صعوبة، بل في بناء القدرة على التكيّف مع المجهول والاستعداد له بمرونة وحكمة.
ففي عالم الفوكا…
لن ينجو الأقوى بالضرورة،
بل الأكثر قدرة على الفهم والتكيّف.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: ماذا سيحدث غدًا؟
بل: هل طريقة تفكيرنا "الاكتوارية"، التي تعتمد على بيانات الماضي لتوقع المستقبل، ما زالت صالحة لعالم لم يعد يشبه الأمس؟