عماد عبد الرحمن : حسم سريع أم استنزاف مفتوح؟
مع استمرار الحرب بين إسرائيل وإيران ليومها السادس، تتضح ملامح مشهد إقليمي مفتوح ومعقد للغاية، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الرهانات السياسية، وتتصارع فيه استراتيجيتان رئيسيتان: الأولى تسعى إلى حسم سريع يغيّر قواعد اللعبة، على أساس استراتيجية "الصدمة المركزة" والثانية تميل إلى جرّ الخصوم لحرب استنزاف طويلة، في رهان على الوقت لكسب المعركة.
التطور الأبرز الذي حدث في هذه الحرب تمثّل باتساع رقعة المواجهة بعد أن شمل دول الخليج العربي، لتشمل الساحة اللبنانية بعد دخول حزب الله على خط النار، هذا التطور يمثل تجسيدا لترابط الجبهات للمحور الإيراني في المنطقة، غير أن الواقع اللبناني الداخلي مختلف اليوم عما كان عليه في جولات سابقة، فالحزب يواجه ضغوطا سياسية واقتصادية متزايدة، كما أن المزاج الداخلي في لبنان لا يحتمل حربا جديدة مفتوحة.
تدرك إيران أن ميزان القوة التقليدي لا يميل لصالحها في مواجهة مباشرة طويلة. لذلك تميل إلى توسيع دوائر الضغط بصورة غير متكافئة، سواء عبر ساحات إقليمية أو عبر أدوات ردع غير تقليدية، ولعل دخول حزب الله على خط المواجهة يعكس هذا المنطق القائم على "تشابك الجبهات”، لكنه في الوقت ذاته يضع الساحة اللبنانية أمام اختبار داخلي صعب.
في المقابل، يبدو أن إسرائيل تسعى إلى استثمار اللحظة الإقليمية لتوجيه ضربة عميقة للقدرات الصاروخية والبنى العسكرية الإيرانية، مستفيدة من دعم أمريكي واضح. الرهان هنا لا يقتصر على تقليص حجم التهديد المباشر، بل يتعداه إلى محاولة إعادة تشكيل ميزان الردع في المنطقة. غير أن التجارب السابقة في الشرق الأوسط تشير إلى أن الضربات الجوية المكثفة، مهما بلغت دقتها، لا تضمن تحقيق أهداف سياسية بعيدة المدى، خاصة إذا لم تترافق مع رؤية واضحة لـ"اليوم التالي".
العامل الأمريكي يشكل عنصرا حاسما في هذا المشهد، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يخوض مواجهة عسكرية وهو يدرك حساسية الرأي العام الأمريكي تجاه الحروب الخارجية، خصوصا بعد تجارب العراق وأفغانستان. صحيح أن الضربات الأولى قد تمنح زخما سياسيا وإعلاميا، لكن استمرار الحرب وارتفاع تكلفتها الاقتصادية / لا سيما في حال تأثر أسواق الطاقة/ قد يبدل المزاج الداخلي سريعا، ومن هنا، فإن طول أمد المواجهة سيجعل الحسابات السياسية في واشنطن أكثر تعقيدا.
السيناريوهات المطروحة تتراوح بين حسم نسبي سريع يعيد تثبيت قواعد اشتباك معدلة، وبين انزلاق تدريجي نحو حرب استنزاف متعددة الجبهات. السيناريو الأول يتطلب ضبطا عاليا لإيقاع العمليات وحدودها، بينما الثاني قد يتحقق بفعل خطأ تقدير أو رد فعل متسرع من أحد الأطراف. وفي الحالتين، فإن المنطقة تقف أمام لحظة إعادة تعريف للردع:، فهل سيبقى الردع قائما على توازن الرعب المتبادل، أم يتحول إلى ردع متشابك متعدد الساحات والفاعلين؟، أسئلة مطروحة يمكن الإجابة عليها خلال الايام القليلة المقبلة، بعد أن تتجلى الحقائق أكثر فأكثر مع مرور الوقت.
نحن أمام حرب يصعب التنبؤ بمجرياتها. لحظة مفصلية تختبر شكل النظام الإقليمي بأكمله، فإما أن تنجح الضربات المركزة في فرض معادلة ردع جديدة خلال فترة قصيرة، أو تنزلق المنطقة إلى مرحلة استنزاف مفتوح يعيد إنتاج عدم الاستقرار لسنوات. وبين هذين الاحتمالين، يبقى الثابت أن هذه المنطقة المنكوبة من العالم تقف مرة أخرى على مفترق طرق، حيث قرار التصعيد أو الاحتواء لن يحدد فقط شكل هذه الحرب، بل ملامح النظام الإقليمي في السنوات المقبلة.
وبالمحصلة، لا تقاس نتائج هذه الحرب بعدد الصواريخ أو حجم الدمار فقط، بل بقدرة الأطراف على ترجمة القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية قابلة للاستدامة. وإذا كانت الأيام الأولى تُظهر تفوقا تكتيكيا هنا أو هناك، فإن الامتحان الحقيقي سيكون في "اليوم التالي"، أي شكل من التوازن سيستقر، وأي خرائط نفوذ سترسم، وأي أثمان سيدفعها الإقليم مقابل إعادة ترتيب أوراقه.