ايڤا عمرو تكتب ... كيف تُشكّل النرجسية الأبوية نفسية الأجيال وتعيد تشكيل المجتمع
تقرير توعوي : ايڤا عمرو - (حين يصبح البيت مرآة للأنا: كيف تُشكّل النرجسية الأبوية نفسية الأجيال وتعيد تشكيل المجتمع).
في كل بيت تبدأ ملامح المجتمع بالتكوّن فالأسرة ليست مجرد مساحة للعيش، بل هي المكان الذي يتعلّم فيه الطفل معنى الحب، الأمان، والقبول. لكن ماذا يحدث عندما يتحوّل هذا الأمان إلى حبّ مشروط، ويصبح رضا الأهل هو المقياس الوحيد لقيمة الطفل؟
ما هي النرجسية الأبوية؟
النرجسية الأبوية لا تعني الثقة بالنفس أو الاعتزاز الطبيعي بالإنجازات، بل تشير إلى نمط سلوكي يتمحور حول احتياجات الوالدين النفسية قبل احتياجات الأبناء. في هذه البيئة، يُتوقع من الطفل أن يكون انعكاسًا لصورة العائلة أمام الآخرين، لا شخصًا مستقلًا بهويته الخاصة.
توضح المعالجة النفسية كريستين هاموند:
الطفل في الأسرة النرجسية يُكافأ عندما يعكس صورة مثالية، ويُهمَّش عندما يُظهر ضعفه أو اختلافه.
هنا، يتعلم الطفل مبكرًا أن الحب ليس حقًا ثابتًا، بل مكافأة مشروطة.
الحب المشروط وصناعة الخوف
عبارات مثل:
افعل هذا من أجلن .
لا تُحرج العائلة .
أنت سبب تعبنا .
قد تبدو عادية في بعض البيوت، لكنها ترسّخ رسالة ضمنية: قيمتك مرتبطة بمدى إرضائك للآخرين.
وتشير الباحثة جولي هول، مؤلفة كتاب The Narcissist in Your Life، إلى أن:
الأطفال الذين ينشؤون تحت ضغط الإرضاء المستمر، غالبًا ما يفقدون اتصالهم بمشاعرهم الحقيقية، ويكبرون وهم يحملون شعورًا دائمًا بعدم الكفاية.
من بيت مضطرب إلى مجتمع مضطرب الأجيال التي تُربّى على الخوف بدل الأمان، وعلى الإرضاء بدل الاستقلال، لا تتأثر وحدها؛ بل ينعكس ذلك على المجتمع بأكمله.
فالشخص الذي يخشى التعبير عن رأيه، ربما تعلّم في طفولته أن صوته غير مسموع.
والشخص الذي يعيش في قلق دائم من الخطأ، قد يكون نشأ في بيئة لا تسمح بهامش التجربة.
تؤكد دراسات في علم النفس التنموي أن البيئة العائلية المشحونة بالانتقاد المستمر ترفع معدلات القلق واضطرابات تقدير الذات لدى الأبناء، ما ينعكس لاحقًا في علاقاتهم المهنية والاجتماعية.
كسر الدائرة: نحو تربية أكثر وعيًا
ليس الهدف توجيه اللوم، بل تسليط الضوء على أنماط قد تُمارس أحيانًا دون إدراك.
فكثير من الأهالي يعيدون أنماطًا تربّوا عليها هم أنفسهم.
التربية الصحية تبدأ بـ:
* الاستماع الفعلي لمشاعر الأبناء.
* الفصل بين سلوك الطفل وقيمته كإنسان.
* تقبّل الاختلاف دون تهديد بالرفض.
* تقديم الحب كأمان ثابت، لا مكافأة مشروطة.
لأن الطفل الذي يكبر وهو يشعر بالأمان، يصبح بالغًا قادرًا على بناء مجتمع أكثر اتزانًا.
في النهاية، كل كلمة تُقال لطفل اليوم، ستصبح جزءًا من صوته الداخلي غدًا…
وما نزرعه في البيت، نحصد أثره في المجتمع.