القس سامر عازر يكتب : المغطس يتحدث عن الوصاية الهاشمية والنموذج الأردني
القس سامر عازر
ليس المغطس مجرد موقع أثري أو محطة حجٍّ دينيٍّ عالمي، بل هو شهادة حيّة تنبض بالحياة على نموذج أردني فريد، يتجاوز الشعارات إلى الممارسة اليومية؛ نموذج يجمع بين الإيمان والاعتدال، وبين الخصوصية الدينية والهوية الوطنية الجامعة، ويترجم في الوقت ذاته عمق الوصاية الهاشمية التي حافظت على قدسية المكان والإنسان معاً. ففي هذا الموقع الذي شهد تعميد السيد المسيح، تتقاطع الذاكرة الروحية مع الحاضر السياسي والاجتماعي، لتقدم صورة الأردن كما هو: أرض لقاء، وأرض رسالة.
اللقاء الإعلامي الذي أجراه في المغطس الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون كشف عن حقيقة لا تحتاج إلى كثير من التجميل؛ إذ قدّم السيد سعد المعشر أجوبة حكيمة وواقعية حول واقع المسيحيين في الأردن، جاءت بعيدة عن المبالغة وقريبة من نبض الحياة اليومية. وعندما طُرح السؤال الأهم: ماذا يعني أن تكون مسيحياً في مجتمع غالبيته العظمى من المسلمين؟ كان الجواب صريحاً وعميقاً في آنٍ واحد؛ فلا فرق في الأردن بين أن تكون مسيحياً أو مسلماً، لأن التاريخ المشترك صنع هوية جامعة لا تقف عند حدود الانتماء الديني، بل تتجذر في ثقافة مشتركة ومصير واحد. وهنا تتجلى خصوصية الأردن حيث يُنظر إلى الإسلام كجزءٍ لا يتجزأ من نسيج المسيحية الاجتماعي والثقافي، الأمر الذي يخلق حالة فريدة من الانسجام والتكامل.
هذه الحقيقة ليست مجرد خطاب إعلامي، بل واقع ملموس يؤكده التاريخ والتجربة اليومية؛ فلا تمييز على أساس العقيدة في الأردن، ولا خسارة أو ضرر يطال المسيحي لأنه مسيحي. فالمسيحية نشأت في هذه الأرض، وأبناؤها اليوم هم امتداد لأحفاد المسيحيين الأوائل الذين عاشوا على هذه التلال والسهول والوديان. وعلى مقربة منّا تعمّد السيد المسيح، ومن هنا انطلقت المسيحية إلى العالم، مما يمنح المغطس مكانة استثنائية في وجدان الأردنيين وفي قلوب المؤمنين حول العالم. ومن هذا العمق التاريخي يستمد الأردني المسيحي إحساسه بالانتماء الطبيعي والراسخ إلى وطنه، دون شعور بالغربة أو الهامشية.
ومع ذلك، فإن هذا الانسجام لا يلغي وجود نقاشات وأسئلة حول الفروق اللاهوتية أو بعض المفاهيم العقائدية، وهي أمور طبيعية وصحية تعكس حيوية المجتمع الديني وتنوعه. فالحوار الديني في الأردن ليس مصدر خوف، بل مساحة للنمو والتفاهم وتعزيز الوئام الديني والتعددية التي تقوم على الاحترام المتبادل. إن تعدد الآراء هنا لا يهدد الوحدة، بل يثريها ويجعلها أكثر رسوخاً ونضجاً.
وفي سياق الحديث عن دور القيادة الهاشمية، برزت مسألة تبرع جلالة الملك عبدالله الثاني لصيانة المقدسات المسيحية في القدس، ولا سيما كنيسة القيامة وقبر السيد المسيح، وهو أمر قد يثير استغراب البعض في الغرب، لكنه في الأردن يعكس منطقاً تاريخياً طبيعياً. فقد أوضح رئيس الأساقفة الأنجليكاني في القدس والشرق الأوسط المطران حسام نعوم أن هذا الدور ليس غريباً، لأن جلالة الملك يحمل الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وهي وصاية تقوم على حماية الوضع التاريخي القائم (الستاتيكو) وصون الطابع الديني المتنوع للمدينة المقدسة. ومن خلال هذه الوصاية يتم الحفاظ على التوازن الدقيق الذي يسمح لأتباع الديانات التوحيدية الثلاث بأن يعيشوا جنباً إلى جنب بسلام واحترام.
إن قوة هذه الوصاية لا تتجلى في التصريحات وحدها، بل في الواقع العملي الذي يجمع رؤساء الكنائس وشيوخ ومدراء الأوقاف وممثليها في القدس ضمن منظومة تعاون أخوي واحد، هدفها حماية المقدسات والحفاظ على هوية المدينة الجامعة. وهذا المشهد يعكس رؤية هاشمية عميقة ترى في القدس رسالة إنسانية وروحية قبل أن تكون قضية سياسية، وتؤمن بأن حماية التنوع الديني هي حماية للإنسان نفسه.
وعندما ننظر إلى المغطس من هذه الزاوية، ندرك أنه ليس فقط شاهداً على بدايات المسيحية، بل شاهداً أيضاً على نموذج أردني متجدد، حيث تتكامل الوصاية الهاشمية مع العيش المشترك معا، ويتحول التاريخ إلى قوة حية تدعم الحاضر وتبني المستقبل. ففي هذا المكان الذي شهد ولادة رسالة روحية عالمية، يتجدد اليوم معنى الشراكة الوطنية والوئام الديني، ويظهر الأردن كمنارة اعتدال وحوار في منطقة تعصف بها الانقسامات.
وهكذا، فإن واقع المغطس لا يروي قصة الماضي فحسب، بل يكتب فصول الحاضر، مؤكداً أن النموذج الأردني ليس شعاراً نظرياً، بل تجربة حقيقية تنبع من الأرض والإنسان والتاريخ، وتُجسدها القيادة الهاشمية برؤية مسؤولة تحفظ المقدسات وتصون الكرامة الإنسانية. ومن هنا يصبح المغطس رسالة مفتوحة للعالم: أن الإيمان يمكن أن يكون جسراً للوحدة، وأن التنوع الديني ليس تهديداً بل نعمة، وأن الأردن، بقيادته وشعبه، قادر على أن يقدم نموذجاً حياً للسلام المشترك الذي تتطلع إليه الإنسانية جمعاء.