رمزي الغزوي : ذكاء يطبطب على الغباء!
لأننا لم نعد نحب الأسئلة الصعبة أصلا. ففي لحظة من لحظات الكسل الجمعي، عقدنا اتفاقا غير مكتوب مع أنفسنا: الراحة أهم من المعرفة، والإعجاب أسهل من الفهم والتدبر. لم نعد نبحث عن آلة تفكر، بل عن واحدة تبتسم لنا. لم نعد نريد من الذكاء الاصطناعي أن يكون ذكيا بقدر ما نريده لطيفا، لا يناقشنا، لا يصححنا، فقط يربّت على وهمنا، ويخبرنا كم نحن عباقرة.
حين صنع المهندسون هذه النماذج الذكية، لم يخلقوا آلة باحثة عن الحقيقة شغوفة بها، هم أرادوا مرآة مُدجّنة تجامل كل ما نقوله. لا تفعل ذلك بدافع من الذوق والتهذيب، لكنها تعلمت منّا أن من يوافق يُكافأ، ومن يصحِّح يُهمل ويهاجم أحيانا.
مثلاً، قل للشات جي بي تي إنك تنوي زراعة حقل ملوخية على كوكب الزهرة، فسيهرع ليقترح لك نوع السماد المناسب، ويحسب مواعيد الحصاد وأين عليك أن تسوق بضاعتك. ثم حدّثه عن فوائد «الحرنكش» في تنمية خلايا الدماغ؟ فسيصفك بالمبدع، ويهنئك على بصيرتك المستنيرة الثاقبة المتجلية. وحتى إن ألقيت عليه سؤالا غريبا ساذجا، سيرد بلطف بالغ: فكرة ممتازة، دعنا نكتشفها معا. وكأن هذا الذكاء الاصطناعي قرر أن يصبح الصديق الوفي لأوهامنا الصغيرة.
وحين تدقق ستجد أن تلك الأداة تزداد مجاملتها كلما زاد ذكاؤها، لربما لأنها باتت تعرف أن الحقيقة مكلفة، وأن المجاملة مجانية ومطلوبة مرغوبة. ونحن، في نهاية الأمر، نحب الطبطبة أكثر من التصحيح. نعشق المديح حتى ونحن نخسر.
وكأن البرنامج تحول من أداة معرفة إلى مدرب تحفيز رقمي، لا يهمه أن تفكر، بقدر ما يهمه أن تشعر بأنك على صواب. والنتيجة؟ انهيار الحسّ النقدي لدينا، وذوبت الحقيقة في بحر الكلمات الدافئة المراوغة. ولهذا ماتت الأسئلة العميقة تحت ثقل التشجيع الأجوف. ففي الطب، أُلبست الشكوك ثوبا من الطمأنينة. في الإعلام، زُينت الأكاذيب بديباجات المجاملة والتصفيق. فمن علّمه كل هذه اللياقة الزائفة؟ نحن.
نحن من رفض النقد وطالب بالدهلزة. نحن من أراد مرايا لا تعكس الحقيقة إنما تضخ الأكاذيب الرطبة. نحن من صنع ذكاءً يعرفنا أكثر مما يجب، ويجاملنا أكثر مما نستحق. فهل نلومه لأنه دلل على هشاشتنا؟ أم نلوم أنفسنا لطلبنا منه أن يزيّن الغباء؟ ــ الدستور