د. ميشلين ظاهر نويصر : استراتيجيات الحد من البطالة وأثرها على التنمية الاقتصادية
تعتبر البطالة واحدة من أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد الأردني في السنوات الأخيرة، إذ تؤثر بشكل مباشر على النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن معدل البطالة في الأردن يتراوح بين 18% و20%، مع ارتفاع نسبي بين الشباب والخريجين الجدد، حيث تصل نسبة البطالة بين الشباب إلى أكثر من 25%. هذه الأرقام تكشف حجم الأزمة التي تواجهها فئة كبيرة من المواطنين، ما يستدعي التفكير في حلول مستدامة وفاعلة.
البطالة لا تؤثر فقط على الأفراد الذين يفقدون مصدر دخلهم، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد الوطني ككل ، فالأشخاص العاطلون عن العمل يعتمدون على المساعدات والدعم الحكومي، ما يزيد الضغط على الميزانية العامة، ويحد من قدرتهم على الاستهلاك والاستثمار في المشاريع الصغيرة. كما أن البطالة المرتفعة تدفع الشباب للبحث عن فرص خارج الوطن، وهو ما يُعرف بـ"هجرة الأدمغة"، مما يضعف القدرة التنافسية للاقتصاد الأردني على المدى الطويل ويؤخر النمو الاقتصادي.
لكن هناك عدة استراتيجيات يمكن اتباعها للحد من البطالة وتحقيق التنمية الاقتصادية أولها تطوير التعليم والتدريب المهني بما يتوافق مع متطلبات سوق العمل. الكثير من الشباب يمتلكون مؤهلات أكاديمية، لكنهم يفتقرون إلى المهارات العملية المطلوبة في الوظائف المتاحة، مثل البرمجةوالتصميم و الأعمال التقنية والصناعية. على سبيل المثال، شهد قطاع تكنولوجيا المعلومات في الأردن نموًا كبيرًا في السنوات الأخيرة، لكن عدد الوظائف المتاحة لا يزال محدودًا مقارنة بعدد الخريجين من كليات الحاسوب. لذلك، فإن الاستثمار في برامج التدريب المهني وربط الجامعات بسوق العمل يعد خطوة أساسية لتقليل الفجوة بين التعليم والوظائف.
استراتيجية أخرى مهمة تكمن في دعم ريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة والمتوسطة فقد أثبتت التجارب المحلية والدولية أن هذه المشاريع توفر فرص عمل أكثر مرونة للشباب والنساء، وتسهم في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي. الحكومة بدأت بالفعل برامج تمويلية صغيرة لتشجيع الشباب على إطلاق مشاريعهم الخاصة، مثل دعم الحرف اليدوية أو مشاريع الزراعة العضوية، ولكن هناك حاجة لتوسيع هذه المبادرات وتسهيل الإجراءات البيروقراطية التي تعيق رواد الأعمال مثال على ذلك مشروع "سوق حيوي" في عمّان، الذي يدعم المزارعين والحرفيين الأردنيين، ويتيح لهم بيع منتجاتهم مباشرة للجمهور، ما وفر مئات فرص العمل الموسمية والدائمة للشباب.
كما أن الاستثمار في القطاعات الحيوية مثل السياحة، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا ، يمثل فرصة مزدوجة: فهو يخلق وظائف مباشرة وغير مباشرة، ويزيد من مساهمة هذه القطاعات في الناتج المحلي الإجمالي. فمثلاً، مشاريع الطاقة الشمسية في الجنوب الأردني لا توفر فقط فرص عمل لمهندسين وفنيين، بل تساهم أيضًا في خفض تكلفة الطاقة، مما يعزز تنافسية الصناعات المحلية. وبالمثل، السياحة في البترا ووادي رم توفر آلاف فرص العمل في الفنادق والمطاعم ووكالات السياحة، لكنها تتطلب استثمارات مستمرة لتحسين البنية التحتية وجذب المزيد من السياح. بالمقارنة مع بعض الدول المجاورة مثل مصر ولبنان، يمكن للأردن الاستفادة من استراتيجيات مبتكرة لدعم ريادة الأعمال والسياحة لتقليل البطالة بشكل أسرع، مع التركيز على القطاعات التي تمتلك ميزة تنافسية واضحة.
إن الحد من البطالة يتطلب تعاونًا حقيقيًا بين الحكومة، والقطاع الخاص، والمؤسسات التعليمية. الحلول قصيرة الأمد، مثل التوظيف المؤقت أو مشاريع الأشغال العامة، قد تخفف الضغط مؤقتًا، لكنها لا تبني قاعدة اقتصادية قوية ومستدامة. ما نحتاجه هو رؤية استراتيجية طويلة الأمد تركز على التعليم والتدريب المهني، دعم المشاريع الصغيرة، وتطوير القطاعات المنتجة بطريقة متوازنة. إذا تم تنفيذ هذه السياسات بجدية، يمكن للأردن أن يتحول من اقتصاد يعاني من البطالة إلى اقتصاد نشط يوفر لكل مواطن فرصة العمل والإبداع والابتكار.
في النهاية، البطالة ليست مجرد رقم في الإحصاءات، بل هي قضية تؤثر على حياة ملايين الأردنيين ومستقبل الاقتصاد الوطني. تقليل البطالة ليس خيارًا، بل ضرورة للتنمية المستدامة، ولإعطاء الشباب فرصة لبناء مستقبلهم بثقة وكرامة. الأردن يمتلك الإمكانيات البشرية والطبيعية لتحقيق هذا الهدف، وما ينقصه فقط هو تخطيط استراتيجي حقيقي، ورؤية واضحة للتنمية الاقتصادية تربط بين التعليم والعمل والابتكار. إن نجاح أي خطة لتقليل البطالة سيعكس نفسه مباشرة على النمو الاقتصادي ورفاهية المواطنين، ويضع الأردن على طريق أكثر استقرارًا وازدهارًا. ــ الراي