الأخبار

رمزي الغزوي : باندورا تحت النار: أفاتار حين يفضح منطق الاستعمار

رمزي الغزوي : باندورا تحت النار: أفاتار حين يفضح منطق الاستعمار
أخبارنا :  

باندورا ليست كوكبا متخيلا معزولا عن واقعنا، بل استعارة كثيفة للعالم كما نعرفه. أرض نابضة بالحياة، تتشابك فيها الكائنات مع الطبيعة ضمن نظام أخلاقي غير مكتوب، تعيشه شعوب النافي بوصفه علاقة وجود لا علاقة امتلاك. فمنذ الجزء الأول من فيلم أفاتار للمخرج جيمس كاميرون، بدت باندورا صورة لما يمكن أن تكون عليه الأرض لو لم تُخضع لمنطق القوة. غير أن الجزء الثالث «الرماد والنار» ينزع عنها ذلك الطابع الحالم، ويدفعها إلى مواجهة تاريخ طويل من الصراع والتشوّه.

بعد الماء في الجزء الثاني، حيث سادت لغة الاحتواء والاستمرار، تأتي النار هنا بوصفها انقلابا في الرؤية. النار لا تعمل على التدمير وحده، بل تكشف ما تراكم تحت سطح الحكاية. تكشف هشاشة التوازن، وتعرّي الأثر العميق للاستعمار حين لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي.

في هذا الجزء، لا يعود الصراع محصورا بين الإنسان الغازي وسكان باندورا الذي يحملون اسم «النافي». يمتد التوتر إلى داخل عالمهم نفسه. تظهر قبائل جديدة، أكثر صلابة وأقرب إلى القسوة، كأن سنوات المقاومة الطويلة بدأت تعيد صياغة القيم. هنا يتخلى الفيلم عن الصورة المثالية للسكان الأصليين، ويضعهم في منطقة حيث الغضب حاضر، والخيار الأخلاقي لم يعد سهلا، والحكمة لا تملك دائما الصوت الأعلى.

هذه النقلة السردية هي الأكثر خطورة وأهمية. فالاستعمار، كما يقترح الفيلم، لا يدمر الغابات وحدها، بل يزرع منطقه في النفوس. يجعل العنف لغة ممكنة، ويحوّل الدفاع إلى صورة قريبة مما يُقاوَم. النار التي يشعلها الغزاة لا تنطفئ بانسحابهم، بل تظل متلظية قادرة على الاشتعال من جيد في الداخل.

شخصية البطل بدورها تفقد مركزيتها القديمة. لم يعد القائد الذي يمتلك الإجابة، إنما الفرد الذي يتعلم حدود قوته، ويعيد تعريف معنى الحماية. في المقابل، تقدم باندورا نفسها بوصفها الفاعل الأعمق. الأرض هنا ذاكرة حية عميقة لا مسرحاً للأحداث، هي قادرة على الرد، وعلى فرض ثمن أخلاقي باهظ.

في قفلته، يذهب أفاتار إلى جوهر المسألة. الاستعمار لا ينتهي حين تتوقف الآلات عن الحفر، ولا حين تُطفأ الحرائق أو حين تصمت البنادق. إنه ينتهي فقط حين يُسحب الاعتراف من فكرته الأساسية: أن الأرض ملك، وأن القوة تمنح الحق، وأن النار وسيلة تنظيم. ما لم تُهزم هذه الفكرة، سيظل الرماد يتكاثر، وستظل باندورا، ومعها كل أرض، مهددة بالاحتراق باسم التقدم.

مواضيع قد تهمك