رنا حداد : قراءة غيورة في غياب الأردن عن المشهد الفني العربي
في الوقت الذي يقترب فيه المنتخب الأردني من كتابة تاريخ جديد في كرة القدم، وتُرفع الرايات وتُستعاد الثقة الوطنية بإنجاز رياضي جامع، يطل سؤال ثقيل من الجهة الأخرى للمشهد: لماذا نتقدّم في الرياضة، ونتراجع في الفن؟ ولماذا يذكر اسم الأردن اليوم في ملاعب العالم، بينما يغيب – أو يُغيَّب – عن المحافل الفنية العربية التي كان يومًا أحد صُنّاعها؟
المفارقة ليست صدفة، ولا هي قدر. إنها نتيجة مسار طويل من القرارات، أو بالأحرى من غياب القرار.
الأردن الذي صنع الدراما العربية ثم انسحب بصمت!
الدراما الأردنية لم تكن يومًا هامشية. على العكس، كانت ركيزة أساسية في تشكيل الدراما العربية، خصوصًا في الأعمال البدوية والتاريخية، ولنا في حقبة الثمانينات مثال شاهد. من الأردن خرجت اللغة البصرية الأولى لهذا النوع، وتكوّنت القوالب، وتعلّم نجوم عرب كبار الوقوف أمام الكاميرا في صحرائه، وبين جباله، وبلهجته، وبكوادره الفنية.
كان الأردن بيئة إنتاج، ومختبرًا، ومنصة انطلاق.
حتى في عالم الدوبلاج، كان الأردن نقطة الانطلاق والمدرسة الأولى. لكن ما الذي حدث بعد ذلك؟
الخلل ليس في الموهبة بل في المنظومة. ويكفي ان نستعرض أسماء أردنية غادرت الوطن تحمل الموهبة في حقيبة السفر، لتحلق في فضاءات اعطتها المساحة اللازمة.
الأردن لم يفقد فنانوه موهبتهم فجأة، ولم تجفّ ينابيع الإبداع فيه. الخلل أعمق من ذلك. الخلل في المنظومة الثقافية والفنية ككل. واذا أردنا العلاج فعلًا فلنعترف بهذه العلل:
لا توجد سياسة ثقافية واضحة تعتبر الفن صناعة لا هواية.
لا توجد استمرارية في دعم الإنتاج الدرامي، بل محاولات موسمية خجولة.
لا توجد حماية للفنان ولا للكاتب ولا للمخرج، فيغادرون بحثًا عن فرص في الخارج.
لا توجد ثقة رسمية حقيقية بأن الفن قوة ناعمة لا تقل أهمية عن الرياضة أو السياحة.
في المقابل، الرياضة، ولو حتى قريبًا، ورغم كل التحديات حظيت برؤية، بدعم متواصل، وبإيمان أن الفوز ممكن، وأن الاستثمار طويل الأمد يؤتي ثماره.
من المسؤول؟ سؤال لا يحب أحد سماعه. ولا يقدم أحد على طرح إجابة.
المسؤولية موزّعة، لكن لا يجوز تمييعها.
تتحمّل المؤسسات الرسمية جزءًا كبيرًا من الغياب حين لا تضع الثقافة في أولوياتها.
يتحمّل القطاع الخاص مسؤوليته حين يفضّل الربح السريع على بناء صناعة فنية تليق بوطن.
يتحمّل الإعلام ذنب الإهمال حين لا يدافع عن فنه ويسانده كما رأيناه يفعل مؤخرًا مع «منتخبه».
ونعم، يتحمّل بعض أهل الوسط الفني مسؤولية التشتّت، والانقسام، وغياب العمل الجماعي.
لكن الخطأ الأكبر كان الاعتياد على الغياب، والتعامل معه كأمر طبيعي. ما منح مساحة لحضور «هابط»، غير مؤهل يحتل شاشتنا ويقدم للعالم على أنه فن «أردني».
الفن ليس ترفًا بل ذاكرة وهوية. غياب الأردن عن المنجز الفني العربي ليس مسألة شهرة أو جوائز فقط، بل مسألة حضور ثقافي وذاكرة جماعية. الفن يحفظ اللهجة، والحكاية، والملامح، والتاريخ غير المكتوب. وحين يغيب، يبهت الاسم، مهما حضر في مجالات أخرى.
نجاح الرياضة اليوم يثبت أن الأردني قادر حين تتوافر الإرادة، والرؤية، والدعم. والسؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة: لماذا لا نمنح الفن الفرصة ذاتها؟
الخلاصة المؤلمة أن الأردن لم يتراجع لأن الآخرين تقدّموا فقط، بل لأنه توقّف عن الدفاع عن فنه. والعودة لا تبدأ بعمل واحد ناجح، بل بقرار وطني يعيد للفن مكانته كجزء من صورة الأردن في الوعي العربي.
فالرياضة ترفع العلم لكن الفن يكتب الاسم في الذاكرة.