الأخبار

بشار جرار : المشي هَوْناً والهرولة تبسّما!

بشار جرار : المشي هَوْناً والهرولة تبسّما!
أخبارنا :  

من أجمل أيام العمر الطابور الصباحي المدرسي بسلامه الملكي وأناشيده الوطنية. كذلك هو الحال وأحلى وأغلى، بطابور الصباح العسكري، لمن حظي بشرف الخدمة العسكرية، خدمة العلَم الإلزامية أو الانتساب إلى قواتنا الملكية الأردنية المسلحة وأجهزتنا الأمنية الباسلة.

نذكر ذلك الفيديو المحبب إلى قلب الأردنيين والذي تداوله وتابعه محبو الأردن في العالم قبل سنوات. فيديو الصباح الباكر عندما شارك سيدنا جنده البواسل رياضة الركض الصباحي -هرولة القائد والنشامى على هدير أهازيج الجيش العربي في إحدى الزيارات التفقدية. كان المشهد ملكيا أيضا في رسالته، عبر فيديو آخر راج أيضا، يوم زيارة تفقدية قام بها جلالة الملك عبد الله الثاني رعاه الله، إلى مدرسة حكومية في أول أيام العام الدراسي الجديد.

هي الهمّة العالية لأولي العزم التي تجمع بين الفريقين -المدنيين والعسكريين- من شبابنا الذين نفرح هذه الأيام بانخراط الدفعة الأولى منهم في برنامج خدمة العلم. وكما في النداء دائما لقائد الطابور المدرسي والعسكري الصباحي، فإن إجابة المشاركين بعد سؤال: «كيف المعنوية؟» دائما يكون بصوت جهوريّ، عااالية..

ضمن رحلتي الخاصة للإقلاع عن التدخين قبل خمسة عشر عاما، انتهى بي المطاف إلى ما يعرف بالسّمنة المفرطة جراء زوال كابح الشهية وهو «الزفت» أو القطران والنيكوتين ونحو أربعمائة مادة سامة وضارة، أيام كان التدخين تقليديا قبل حلول الألفية الثالثة، أيام لفائف التبغ، السجائر غير الإلكترونية! وبعد جولات وصولات، اتضح أن من ضمن الحلول هو اعتماد آليات خاصة للمشي والهرولة والركض فضلا عن تغييرات جذرية تتعلق بالغذاء وكل ما يتصل بالنمط الحياتي الصحي والرياضي.

من الكتب التي قرأتها استزادة في العلم حتى لا أبقى تحت رحمة القطاع الصحي بجناحيه الخاص والعام، كتب متخصصة في هذا المضمار، تحديدا فوائد المشي باسترخاء «الكزدرة» سواء كان المشي فرديا بتأمل، أو جماعيا مع مجموعة من الأصدقاء أو الجيران، في إضافة نوعية إلى الجانب الاجتماعي الذي يزيد من منسوب شعور الاسترخاء والراحة والسعادة كثمار فوائد الرياضة عموما، والمشي خصوصا.

ليس وحده المشي السريع هو المراد أو المطلوب لتحقيق الحرق المناسب للسعرات الإضافية التي تزيد على الألفي سعرة حرارية يوميا. الأمر يتطلب تخفيضا لهرمون الكورتيزول الذي لا يتحقق الحرق إلا بانخفاضه وإلا كان التخزين لمزيد من الشحوم. وهو الأمر الذي يتطلب ممارسة الرياضة براحة لا تنازع ولا تنافس سلبي فيها. الحرق الفعّال بحاجة إلى انعدام التوتر الجسدي والنفسي. التحدي الأكبر يكمن في التخلّص من أخطر الشحوم، المعروفة بالدهون الحَشَوِيّة، الضاغطة على الأعضاء الحيوية في منطقة البطن، خاصة الكبد. تلك مسألة حاسمة تتعلق بسلامة وكفاءة عمليات الهضم والأيض الحيوي، فضلا عن الحجاب الحاجز -الفاصل بين منطقة الصدر (الرئتين) ومنطقة البطن (الجهاز الهضمي). الحجاب الذي أن تراكمت الدهون عليه أو بجواره، يتسبب بضحالة وصعوبة التنفس خاصة الشهيق، الأمر الذي يترتب عليه أمراض النوم وأخطرها اختناق النوم السريري، إلى جانب انخفاض مستويات الطاقة، وما يترتب عليها من خمول قد يصل إلى الكآبة، بكل ما تجرّه من ويلات على الفرد والأسرة والمجتمع، كالإدمان بأنواعه وأشكاله.

بعد استعراض فوائد ذلك النوع من المشي -المشي هوْنا- وهو من تراثنا الروحي وموروثنا الاجتماعي العريق، فإن ما تعلمته من الثقافة اليابانية العريقة هي ذلك الاكتشاف العلمي الذي اتّضحت فيه أهمية عدم الإسراع أو التوتر في المشي والهرولة والركض، وإنما المشي هوْنا والهرولة تبسّما، ذلك لأن المطلوب هو آلية الهرولة التي تُفعّل مزيدا من العضلات وخاصة الجذعية (وسط الجسم) والأرداف، بما لا تحققه رياضة المشي. هرولة مع ابتسامة لا يقدر عليها الراكض إن بالغ في سرعته بما يؤثر سلبا على الحوض والركبتين، وهما من أكثر الإصابات شيوعا في بلاد العم سام، جراء الإفراط في الركض على نحو لا يراعي خصوصية الفرد صحيّا وعمْريّا، رياضيا كان أم مجرد حريص على الحياة والرياضة والتغذية الصحية. الرأفة بالمفاصل والطريقة الصحيحة علميا للمشي والهرولة والركض تقي الناس من إصابات تكلف الملايين من عجز كلي أو جزئي. فكم من إصابات الظهر والرقبة والحوض والركبتين اتضح إنها ما هي إلا تراكمات جائرة لأخطاء كان بالإمكان تفاديها أو تصويبها قبل فوات الأوان.

أمامنا لاستقبال الشهر الفضيل رمضان المبارك شهر، وكذلك يتزامن الصوم الكبير لدى إخوتنا المسيحيين من الطوائف الشرقية والغربية، ولعلها فرصة أن نستلهم من شبابنا الذين نفخر بهم في خدمتهم العسكرية، نستلهم من روحهم وانضباطهم وأدائهم وإقدامهم كيف يكون المشي والهرولة والركض دائما، حيث المعنوية عاااالية..

لطالما ارتبط الصوم بالعبادة والتأمل، وما من رياضة تحقق ذلك أكثر من المشي. وكم في المعاني الخالدة لهرولة أمّنا هاجَر بطفلها الوحيد جدنا، جدّ العرب إسماعيل، كم من الرسائل في هرولتها، وقد كانت حينها مفزوعة على فلذة كبدها، مسلِّمة أمرها إلى الله صابرة باكية، حتى أكرم الله سعيها -بين الصفا والمروة- بما يروي عطش المليارات تعظيما لإسماعيل وأمه وأبيه، «خليل الرحمن» سيدنا إبراهيم عليه السلام، في «زمزم».

هلمّوا إخوتي الصائمين -مسلمين ومسيحيين- تعالوا من الآن لنمضي معا عبر ما سيصادف فصل الربيع، موسم البدايات نيسان، بأن نمشي على الأرض هَوْنا، ونهرول سويا، متبسّمين نحو مستقبل أفضل بعون الله، لا علاقة له بالأحداث الإقليمية ولا العالمية، من إيران وفنزويلا إلى أوكرانيا وغرينلاند!  ــ الدستور

مواضيع قد تهمك