الأخبار

محمد ابو رمان : قسد ونهاية الدور

محمد ابو رمان : قسد ونهاية الدور
أخبارنا :  

تتسارع التطورات الميدانية والعسكرية في المشهد السوري بدرجة ملحوظة خلال الأيام القليلة الماضية. وإذا كان انفجار الخلافات وتصاعد حدّة الأزمة بين الحكومة السورية وقوات سورية الديمقراطية (قسد) سيناريو متوقع الحدوث في أيّ لحظة، بالرغم من اتفاق آذار 2025 (الذي وقّعه الرئيس أحمد الشرع مع قائد قسد مظلوم عبدي)، فإنّ من كان يتابع الخطابات الإعلامية المتبادلة يدرك تماماً أنّ انعدام الثقة والشكوك كانا العنوان الحقيقي في المعادلة بين الطرفين.

المفاجأة، إذاً، لم تكن في انفجار الصراع العسكري، بل في هذا الانهيار المتسارع لقسد في العديد من الجبهات أمام القوات السورية، والتوسّع التدريجي في العمليات من حلب إلى ريفها، ثم إلى ريف الرقة، فريف دير الزور. ومن الواضح أنّ هناك أجندة عسكرية وسياسية تسعى إلى إنهاء ظاهرة قوات قسد، أو في الحدّ الأدنى تحجيمها إلى أدنى مستوى من حيث المساحة الجغرافية، والقدرة العسكرية، والحضور السياسي، وإعادتها إلى حجمها المرتبط بالمناطق التقليدية للوجود الكردي، مع فكّ الارتباط الإقليمي بينها وبين حزب العمال الكردستاني، وإنهاء حالة القلق الداخلي والإقليمي من وجود كيان كردي متضخّم في الشمال والشمال الشرقي السوري.

المواقف الإقليمية كانت متوقعة؛ فالموقف الداعم والمحفّز، بل والضاغط على الحكومة السورية، هو الموقف التركي، إذ ترى أنقرة في الدور الذي تقوم به قسد، وفي علاقتها العضوية مع حزب العمال الكردستاني، تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي. أمّا الموقف العراقي، وعلى الرغم من الخلفية المتوترة والقلقة مع الحكّام الجدد في دمشق، فلا يرحّب بتوسيع نفوذ قسد. وحتى حكومة إقليم كردستان العراق، وبخاصة في أربيل، فلديها تحفّظات واضحة على سياسات قسد، وعلى قراءتها للمشهد السوري، الذي يختلف في أبعاده الداخلية والجيوسياسية عن حالة كردستان العراق وسياقاتها التاريخية والديمغرافية.

أمّا موقف حكومة بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، فبالرغم من أنّ أجندتها تقوم على إضعاف سورية وتفكيكها، فإنّ أولويتها الحالية تتركّز على المناطق الجنوبية في سورية، والعمل على تطوير النفوذ الإسرائيلي هناك. لذلك لا توجد مبرّرات مباشرة لتل أبيب للتدخّل العسكري دعماً لقسد، كما فعلت في حالات أخرى، مثل السويداء.

على المستوى الدولي، لم يكن حضور المواقف كبيراً؛ فعلى الرغم من مواقف بعض الدول الأوروبية الداعية إلى التهدئة، وإبدائها خشية من تصعيد الصراع، فإنّ ذلك بقي في إطار التصريحات الدبلوماسية. في المقابل، يبقى الموقف الأميركي هو الأكثر غموضاً وتعقيداً، بل هو مفتاح فهم ما يجري حالياً في الأزمة بين الحكومة السورية وقسد. فبالرغم من الدعوات الأميركية إلى التهدئة وعدم التصعيد، وبالرغم كذلك من تصريحات قائد القيادة المركزية الأميركية، الجنرال براد كوبر، التي دعا فيها الحكومة السورية إلى وقف الهجوم فوراً، فإنّ القوات السورية واصلت تقدّمها واقتحام مناطق جديدة.

لماذا يُعدّ الموقف الأميركي لغزاً؟ لأنّه لولا وجود ضوء أخضر أميركي، أو إيحاء مسبق بعدم التدخّل، لما خاطر الرئيس السوري أحمد الشرع بشنّ هجوم عسكري ضد قسد، التي تمثّل حليفاً، بل صنيعة عسكرية وسياسية للولايات المتحدة. وهو يدرك أنّ الدعم الأميركي يشكّل اليوم عموداً رئيسياً في تمكينه من التعامل مع التحديات الكبرى التي تواجهه، ولا سيما رفع العقوبات الاقتصادية عن سورية، والحصول على الشرعية الدولية، وتحريك عجلة الاستثمارات وإعادة الإعمار، في ظلّ ظروف اقتصادية قاهرة يعيشها غالبية السكان، واستمرار وجود أعداد كبيرة من المهجّرين والنازحين والمهاجرين.

هنا تكمن المفارقة؛ فالولايات المتحدة، التي كانت ولا تزال تدعم قسد، وتخصّص لها من خلال وزارة الدفاع مبلغ 160 مليون دولار لعام 2026، لم توقف الهجوم العسكري السوري، على الرغم من قدرتها على ذلك عبر الضغط على الحكومة السورية. وفي الوقت نفسه، لا تبدو مصلحة واشنطن في انهيار قسد بشكل مفاجئ وكامل، لما يحمله ذلك من تداعيات أمنية غير مضمونة، من بينها ملف المعتقلات التي تضمّ آلاف مقاتلي تنظيم داعش، وعشرات الآلاف من عائلاتهم.

وربما أُجازف بالقول إنّ هناك ضوءاً أخضر أميركياً لتحجيم قسد جغرافياً وعسكرياً وسياسياً، من دون القضاء عليها، وهو ما قد يفسّر المرسوم الذي أصدره الرئيس الشرع بشأن الكرد وحقوقهم الدستورية والقانونية. ويبدو أنّ الهدف هو ممارسة ضغط سياسي وعسكري على قيادة قسد لدفعها إلى القبول بالإدماج ضمن الدولة السورية الجديدة.

مواضيع قد تهمك