الأخبار

د. سلطان المعاني : الشرق الأوسط على صفيح ساخن

د. سلطان المعاني :  الشرق الأوسط على صفيح ساخن
أخبارنا :  

يتحوّل الشرق الأوسط إلى فضاء احتكاكٍ مرتفع، تتجاور فيه الشرارة مع الوقود، ويصير الحدث الصغير قادراً على استدعاء سلسلة أصداء تمتد من الشارع إلى المضائق إلى غرف القرار. وتظهر إيران كنموذجٍ كاشف لأن خطوط التوتر الثلاثة تتقاطع عندها، فهي تعيش توتراً داخلياً يدور حول الاقتصاد والمجال العام وهيبة الدولة، وتوتر إقليمي تحكمه شبكات النفوذ والساحات المفتوحة، وتوتر دولي يتمركز حول الردع والملف النووي وموازين التجارة والطاقة.

تتصدّر الداخلَ الإيراني مفارقة قاسية، فهي دولة ذات جهازٍ سيادي متماسك، وفي المقابل مجتمع حيّ سريع التسيس، وهي في البعد الاقتصادي مثقلة بالعقوبات وتذبذب العملة وتفاوت الفرص. وتُنتج هذه المفارقة نوعاً من الضغط المتراكم؛ إذ يتحوّل الاقتصاد إلى لغة احتجاج، ويتحوّل الاحتجاج إلى اختبار لأسلوب الحكم، ثم تُستدعى الرموز والهوية ومفهوم السيادة لتأطير الصراع. وعندما تتسع الهوة بين تطلعات الأجيال وإيقاع المؤسسة، يتصاعد الاحتكاك داخل المدن الكبرى، ويصبح كل قرار في التعليم والفضاء الرقمي والضبط الاجتماعي مادةً لإعادة تعريف حدود الدولة وحدود المجتمع.

يتقدّم الملف النووي في الخلفية كساعة معلّقة على الحائط السياسي؛ تتجه الأنظار إليه كلما ضاقت مساحة المناورة، لأن خصوم إيران يقرؤون في الملف النووي عتبة استراتيجية غير مرحب بها، وتقرأه إيران ضمانة بقاء في إقليم تزدحم فيه المخاوف. ويولّد هذا التبادل في القراءة دوامة ردعية، كل ضغط خارجي يرفع منسوب التصلب، وكل توسع تقني يرفع منسوب التهديد المقابل. وعند نقطة معينة، يتراجع منطق التسويات المتدرجة، وتتقدم سياسات الحصار والعقاب، فتزداد كلفة التهدئة وتزداد جاذبية الخيارات الخشنة.

تتحرّك الساحات الإقليمية على إيقاع هذا الاشتباك. فحين تتعثر الدبلوماسية، تبحث الأطراف عن مساحة لإرسال الرسائل بعيداً عن مركز المواجهة، فتشتعل حروب الوكالة بدرجات متفاوتة. وتغدو العراق وسوريا ولبنان واليمن أكثر من عناوين أزمات محلية؛ فتصبح منصات احتكاك تتبادل عبرها القوى إشارات القوة والإنهاك. وحين تتفاعل هذه الساحات مع حرب غزة وتوتر الشمال، تتسع حلقة الخطر وتصبح احتمالات الخطأ الحسابي أعلى؛ لأن تداخل الجبهات يصنع وضعاً قابلاً للتدحرج، حيث يكفي حادثٌ مفاجئ كي ينتقل الإقليم من ضغطٍ مزمن إلى انفجار واسع.

تظهر الجغرافيا البحرية في هذا السياق كبؤرة واسعة للتوتر. فالمضائق وخطوط الملاحة تقف في صلب اقتصاد العالم، وحين تُمسّ، ترتفع أسعار التأمين، وتتعطل سلاسل الإمداد، ويقفز القلق في أسواق الطاقة. وتقرأ إيران هذه الجغرافيا ورقة قوة ورمز سيادة، وتقرأها الدول الكبرى شرياناً عالمياً يتطلب حماية دائمة. ومن هذا التضاد يتولد صراع على حق المرور وحق الردع، فتتوالى عمليات الاستعراض والردود، ويصبح البحر مسرحاً لسياسة تتكلم بلغة السفن أكثر مما تتكلم بلغة البيانات.

يتعامل النظام الدولي مع إيران عبر أدوات متباينة: عقوبات، ضغوط دبلوماسية، رسائل ردع، ومحاولات فتح نوافذ تفاوض عند الضرورة. غير أن هذه الأدوات نفسها تحمل تناقضاتها؛ فالعقوبات قد تُضعف الاقتصاد وتؤجج التوتر الاجتماعي، وقد تدفع كذلك نحو مزيد من التشدد واعتبار الصراع صراع بقاء. والردع قد يمنع المواجهة المباشرة، وقد يوسّع حروب الظل ويزيد شهية الصدام غير المباشر. ومع كل موجة تصعيد، تتدخل الحسابات الداخلية للدول الكبرى، في الانتخابات، والرأي عام، ومصالح شركات، وصراعات تيارات داخل المؤسستين التشريعيتين والتنفيذيتين، فتدخل سياسة الشرق الأوسط في تعقيد إضافي، حيث يتغير السلوك بتغير الإيقاع الداخلي في العواصم المؤثرة.

تتبدّى دول الإقليم في قلب المعادلة فهي أطراف تتلقى الأثر وتنتج الأثر في آن واحد. فدول الخليج، مثلاً، تحتاج استقرار الممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة، وتحتاج كذلك إدارة منافسة النفوذ ضمن حدود تمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وتركيا تنظر إلى توازنات الإقليم من زاوية أمنها وحدودها وموقعها في التجارة والطاقة. ومصر تراقب أثر التوتر على الملاحة والاقتصاد والاستقرار. والأردنٌ يعيش في تماس دائم مع موجات الارتداد من لجوء، وتجارة، وأمن حدود. وهكذا يتحول الصفيح الساخن إلى شبكة حساسة؛ إذا اهتز خيط واحد اهتزت خيوط كثيرة معه.

يستقر المشهد، في عمقه، على سؤال واحد: كيف يُدار صراع النفوذ في إقليم تتزاحم فيه السرديات الكبرى والخوف والموارد المحدودة؟ فإيران تطرح نفسها قوة إقليمية لها مجال حيوي، وخصومها يرون في تمددها تهديداً يستدعي تطويقاً متدرجاً أو ضرباتٍ محسوبة. وبين هاتين الرؤيتين تقف مجتمعات أنهكتها الحروب والاقتصاد الرمادي، وتُستعمل أراضيها كمساحات اختبار. ومع مرور الزمن يترسخ اقتصاد الصراع الذي يربح من استمرار الأزمة، فتتكون شبكات مصالح تتغذى من الاستقطاب وتقاوم أي تسوية تُغلق أبواب الربح.

ويدار الشرق الأوسط وفق هذا بمنطق التوازن الهش، حيث يُقاس الأمن بمقدار ما يُمنع من السقوط لا بمقدار ما يُبنى من الاستقرار. وتحتاج المنطقة، للخروج من حافة اللهب، إلى هندسة سياسية جديدة تعيد الاعتبار للدولة الوطنية وللاقتصاد المنتج ولثقة المجتمع بالمؤسسة، وتعيد ترميم الفضاء الإقليمي عبر قواعد اشتباك واضحة ومسارات تفاوض تتجاوز لغة الإذلال والعقاب. ففي إقليمٍ يتبادل الخوف مع القوة، يصير السلام مشروعاً شاقاً، غير أن كلفة غيابه أكثر فداحة، وتكفي نظرة واحدة إلى الصفيح الساخن لمعرفة حجم الثمن الذي يدفعه الجميع.

مواضيع قد تهمك