فراس النعسان : السلام على طريقة السوق
لم يعد السلام في زمننا الحديث قيمة أخلاقية، ولا حصيلة حكمة تاريخية، ولا ثمرة توازنات دقيقة بين المصالح والحقوق، بل بات – على ما يبدو – بندًا في جدول أعمال الاقتصاد العالمي. هكذا، وببساطة فجة، يمكن اختصار الرسالة غير المعلنة للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى العالم: ادفع مليار دولار، وادخل نادي السلام. ادفع أكثر، تُسمَع أكثر. ادفع أقل، فابقَ على هامش الضجيج.
إنها المرة الأولى التي يُعاد فيها تعريف السلام بوصفه منتجًا قابلًا للتسويق، لا مشروعًا إنسانيًا طويل النفس. مجلس السلام – أو ما يُفترض أنه كذلك – لا يُعرف له تعريف واضح، ولا إطار أخلاقي محدد، ولا مهام معلنة تتجاوز اللغة الفضفاضة: تعزيز الاستقرار، دعم الحوار، تشجيع الحلول. كلمات جميلة، لكنها بلا جذور، حين تُقاس بميزان المال لا بميزان العدالة.
في هذا المنطق، لا تعود الحروب إخفاقًا سياسيًا، بل فرصة استثمارية مؤجلة. ولا يعود الدم الإنساني مأساة، بل ورقة تفاوض. يصبح السلام امتيازًا للنخب القادرة، لا حقًا للشعوب المنكوبة. وكأن العالم يُدار اليوم بعقلية مزاد علني: من يدفع أكثر، يشتري صورة أفضل، ومكانًا أرقى على طاولة القرار.
الخطير في هذا الطرح ليس فقط ابتذال مفهوم السلام، بل تحويله إلى أداة هيمنة ناعمة. فالمال هنا لا يشتري فقط عضوية شكلية في مجلس ما، بل يشتري شرعية سياسية، ويمنح الغني حق الحديث باسم القيم، ويُسكت صوت الفقير، حتى لو كان أكثر تضررًا، وأكثر حاجة، وأكثر استحقاقًا.
السلام، في جوهره، ليس صفقة، بل عملية شاقة من الاعتراف المتبادل، والعدالة، والمساءلة، والتنازلات المتوازنة. هو تراكم ثقة، لا تحويل أموال. وهو بناء مؤسسات، لا شراء مقاعد. لكن حين يُختزل في رقم مالي، يفقد معناه، ويغدو واجهة براقة لسياسات قديمة بثوب جديد.
ولعل المفارقة الأكثر إيلامًا، أن الدول الأكثر إنفاقًا على السلاح هي ذاتها التي تتصدر خطاب السلام. تُشعل الحرائق، ثم تعرض خدمات الإطفاء، مقابل ثمن. تبيع الخوف، ثم تبيع الطمأنينة. وفي الحالتين، الرابح واحد، والخاسر دائمًا هو الإنسان العادي، الذي لا يملك ثمن الحرب، ولا كلفة السلام.
إن مجلس السلام، إن كان حقًا مجلسًا، يجب أن يُبنى على معايير أخلاقية، لا حسابات مصرفية. على التزام بالقانون الدولي، لا بحجم الشيك. وعلى الدفاع عن المظلوم، لا مكافأة القادر.
أما السلام الذي يُشترى، فليس سلامًا، بل هدنة مؤقتة في سوق مضطرب. وهو سلام هش، يُعاد بيعه عند أول أزمة، ويُستبدل عند أول تغير في ميزان الربح والخسارة.
وفي عالم تُقاس فيه القيم بالأرقام، ربما علينا أن نسأل السؤال الأخطر: هل نريد سلامًا حقيقيًا، أم مجرد إيصال دفع؟