د. بلال محمد الجبر : الإدارة العامة الجديدة من المفهوم الى التطبيق في البرنامج التنفيذي للحكومة (2026-2029)
لم تعد النظرة التقليدية للإدارة العامة في الدول الحديثة تُفهم بوصفها جهازاً بيروقراطياً تقتصر وظيفته على ضمان تنفيذ القوانين والأنظمة وإدارة المرافق العامة ، بل تمثل الادارة العامة اليوم عقل الدولة التنفيذي وأداتها الرئيسة في تحقيق التنمية، وضمان العدالة الاجتماعية، وترجمة الرؤى الوطنية إلى نتائج ملموسة. وفي هذا الإطار، يكتسب إطلاق الحكومة الأردنية، تحت الرعاية الملكية السامية لبرنامجها التنفيذي للأعوام 2026–2029 أهمية استثنائية، ليس فقط من حيث المضمون، بل من ما يعكسه البرنامج من تحوّل في الفلسفة الإدارية، ومن انتقال واعٍ من منطق التخطيط الذي قد يبقى اطاراً نظرياً في وثائق الخطط إلى منطق التنفيذ القائم على المؤشرات والقياس والمساءلة في مسارات رؤية التحديث الاقتصادي ، تحديث القطاع العام ، التحول و الاقتصاد الرقمي ، الحماية الاجتماعية.
فهذا البرنامج كما أُعلن عنه يهدف إلى ترجمة الرؤى الوطنية إلى نتائج قابلة للقياس ضمن جداول زمنية واضحة، وآليات مستمرة للمتابعة والتقييم ، وهو ما يتقاطع جوهريًا مع المفهوم المعاصر لما يُعرف بـ «الإدارة العامة الجديدة New Public Management» التي تشكّل اليوم جوهر الأطر النظرية والعملية لإصلاح القطاع العام في مختلف دول العالم.
تُعدّ الإدارة العامة الجديدة نتاجاً لتحولات فكرية ومؤسسية شهدها علم الإدارة العامة منذ ثمانينيات القرن الماضي، وذلك عندما بدأ النقد يتصاعد ضد نماذج البيروقراطية التقليدية التي اتسمت بطابع التضخم الوظيفي، وتعقيد الإجراءات، وضعف الكفاءة، وانفصال السياسات عن واقع المواطنين.
يتأسس نموذج الإدارة العامة الجديدة على إعادة تشكيل الفكر الإداري من خلال الانتقال من منطق الإجراءات المفصلة والامتثال الشكلي للتشريعات إلى فلسفة الإنجاز وقياس الأثر، بحيث يُستعاض عن التركيز التقليدي على إدارة المدخلات بالتركيز الاستراتيجي على المخرجات والنتائج القابلة للتقييم، وتُستبدل أنماط الرقابة البيروقراطية الجامدة بمساءلة قائمة على الأداء والنتائج. ولا يقتصر هذا التحول على تحسين الكفاءة التشغيلية أو رفع مستويات الإنتاجية المؤسسية، بل يمتد ليُحدث تغييرًا بنيويًا في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، عبر إعادة تعريف دور الدولة من سلطة تمارس الضبط بمنطق الامتثال، إلى ما يشبه مؤسسة خدمية تُدار بمعايير الجودة والاستجابة والشفافية. وفي هذا الإطار، تسعى الإدارة العامة الجديدة إلى بناء نموذج مؤسسي يوازن بين الوظائف السيادية والتنظيمية للدولة ومرونة أساليب الإدارة الحديثة المستوحاة من القطاع الخاص، دون الإخلال بضوابط الحوكمة العامة التي تكفل العدالة، وتكافؤ الفرص، والنزاهة، وتعظيم الصالح العام.
يقوم هذا النموذج على أركان مترابطة تشكل بمجموعها منظومته التشغيلية والفكرية، إذ تمثل الحوكمة الرشيدة الإطار الناظم للعلاقات المؤسسية من خلال وضوح الصلاحيات، وتكامل الأدوار، وتفعيل المساءلة، والحد من تضارب المصالح، بما يرسخ الثقة ويعزز المشروعية. وتُعد إدارة الأداء الركيزة التطبيقية التي تُترجم الأهداف إلى نتائج، عبر اعتماد مؤشرات قياس واضحة، وربط الإنجاز بالحوافز، وتبني نظم تقييم أداء دورية تستند إلى البيانات لا إلى الانطباعات العامة، الأمر الذي يحول السياسات العامة من نصوص نظرية إلى آثار ملموسة. ويأتي التحول الرقمي بوصفه أداة رئيسية لإعادة هندسة الإجراءات وليس مجرد تحديث تقني، بما يسهم في تبسيط الخدمات، وتحسين تجربة المواطن، وتقليل الهدر، وتعزيز الشفافية. أما تنمية رأس المال البشري فتمثل الرافعة لهذا التحول، من خلال الاستثمار في التدريب المستمر، واستقطاب الكفاءات، و صناعة القيادات وبناء ثقافة مؤسسية تقوم على التعلم والابتكار و ترتبط بأهداف الدولة. وبهذا المعنى، تصبح الإدارة العامة الجديدة إطارًا شاملًا لإعادة بناء الدولة الحديثة، تُقاس فيه فعالية الجهاز الحكومي بمدى قدرته على تحقيق أثر إيجابي مستدام في حياة المواطنين، وتعزيز الجاهزية المؤسسية في مواجهة الأزمات، لا بحجم الهياكل الإدارية أو تعقيدها.
وفي هذا السياق يمكن قراءة البرنامج التنفيذي بجميع محاوره الذي أطلقته الحكومة بوصفه تجسيداً عمليًا لفلسفة الإدارة العامة الجديدة، دون النظر إليه أنه مجرد وثائق خطط تقليدية، إذ لم يعد الخطاب الحكومي يكتفي بصياغة غايات عامة أو إطلاق شعارات تتسم بالطابع الإنشائي، بل انتقل إلى مقاربة تنفيذية أكثر واقعية تقوم على تحديد أهداف إجرائية قابلة للقياس، ووضع جداول زمنية محددة، وتوزيع واضح للمسؤوليات بين الجهات المعنية، إلى جانب إنشاء آليات مؤسسية للمتابعة والتقييم والمساءلة. ويعكس هذا التحول وعيًا مؤسسيًا متقدمًا بأن جوهر الإصلاح الإداري لا يكمن في إطلاق الرؤى بحد ذاتها، بل في قدرة هذه الرؤى على الصمود أمام تعقيدات الواقع و تحدياته والتكيف مع متغيراته، والتحول إلى سياسات قابلة للتنفيذ ونتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. كما يشير هذا النهج إلى انتقال ضمني من منطق الإدارة التقليدية القائمة على الإعلان والتبرير، إلى منطق إدارة النتائج والأثر، حيث يصبح الأداء الفعلي هو معيار النجاح، وتُقاس جدوى صنع و إطلاق السياسات العامة بمدى قدرتها على إحداث أثر حقيقي ومستدام يعزز الثقة بين الدولة والمجتمع، ويجعل من الجهاز الحكومي أداة فاعلة للتنمية.
إن الرعاية الملكية السامية لهذا الإطلاق تحمل دلالات سياسية وإدارية عميقة ، إذ تشكّل فرصة وإرادة قوية ومظلة استراتيجية لبرنامج الاصلاح، وتؤسس لاستمراريته، وتمنحه ضمانة مؤسسية تحميه من التقلبات السياسية وتغيّر الأولويات الظرفية و تغير شخوص المسؤولين. كما تعكس هذه الرعاية إدراكًا ملكيًا متقدمًا بأن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من القوانين و الأنظمة و النصوص وحدها، بل من إعادة بناء طريقة إدارة الدولة نفسها، و ترسيخ ثقافة مؤسسية جديدة تقوم على الكفاءة، والمساءلة، والنتائج. ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى البرنامج التنفيذي 2026–2029 بوصفه مجرد وثيقة إدارية أو خطة عمل مرحلية، بل كفرصة تاريخية مستدامة لإعادة تعريف وظيفة الدولة، ودور مؤسساتها، وطبيعة علاقتها بمواطنيها، على أساس الخدمة العامة و منطق الإنجاز. فالإدارة العامة الجديدة ليست شعاراً أكاديمياً أو اطاراً نظرياً، بل ضرورة وطنية لدولة تواجه تحديات جيوسياسية واقتصادية معقدة، وضغوطاً سكانية واجتماعية متزايدة، وتحولات تكنولوجية عالمية متسارعة تفرض نماذج حكم إداري أكثر مرونة وفاعلية. ومع توافر الإرادة السياسية العليا، وتبنّي الحكومة لهذا النهج، فإن الرهان الحقيقي يكمن في جودة التخطيط وقوة التنفيذ، واستدامة الالتزام، والقدرة على تحويل الخطط إلى واقع ملموس يترجم إلى أثر تنموي حقيقي يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.