سلطان الحطاب : قمة ملكية مع الأوروبيين
هذه القمة من ثمار الخطاب الملكي أمام البرلمان والقادة الأوروبيين في ستراسبورغ بفرنسا، حين كانت الحرب على غزة في ذروتها.
يومها تساءل الملك عبد الله الثاني عن القيم المشتركة ونقد الحال العالمية بقوله للأوروبيين، «إن الوضع العالمي يفقد توازنه الاخلاقي، وقال، إن الإنسانية في غزة تختبر أمام أعين المجتمع الدولي، وطرح تساؤلات عن كيفية تحوّل ما كان يعد خارجاً عن المقبول الى شيء شبه عادي.
دعا الملك يومها الاتحاد الأوروبي كشريك أساسي، واعرب عن استعداد المملكة للاستمرار في العمل المشترك مع اوروبا وتعزيز الامن والاستقرار في المنطقة، كان ذلك في 17 حزيران من العام الماضي 2025، واليوم في الثامن من يناير من عام 2026، يقطف الأردن ثمار ذلك، ويعقد جلالة الملك عبد الله الثاني قمة مع قادة الاتحاد الأوروبي في عمان، اولئك القادة الذين استمعوا له جيداً في حزيران الماضي، وصفقوا له في قاعة البرلمان، وحيّوا فيه شجاعة النقد والموقف وعرض الشراكة المشتركة باخلاص.
فماذا في القمة الهامة؟ وكيف ترجم الأوروبيون موقفهم؟ حيث شهد هذه القمة رئيس المجلس الأوروبي انتونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، لتفتح صفحة جديدة ويبني على مدماك آخر في علاقة الأردن مع الأوروبيين، وما يحمله ذلك من رسائل عربية في صدارتها القضية الفلسطينية بعد التطورات الكثيرة التي شهدتها، وما يمثلة الموقف الأردني الذي ظل يطرح حل الدولتين وحق الفلسطينيين في اقامة دولتهم الفلسطينية المستقلة على ترابهم الوطني، وهو الأمر الذي سعى به الأردن لدى مختلف الدول الأوروبية وظل مخلصاً في طرحه، وقد قدر الأوروبيون له ذلك، خاصة مساهماته في بلورة الأفكار وتحديد النقاط واعادة انتاج مواقف ايجابية ساعدت المؤتمر الفرنسي السعودي الذي عقد في نيويورك على تبني حل الدولتين والانطلاق به.
عمان أمس كانت محطة هامة لحوار أوروبي واسع حيث استقبل الملك عبد الله الثاني المسؤولين الأوروبيين في قصر الحسينية قبيل انعقاد القمة التي استهدفت تعزيز الشراكة الاستراتيجية والشاملة بين الأردن والاتحاد الأوروبي، وهي شراكة قديمة حرص الأردن على الارتقاء بها وجعلها استراتيجية تخدم فرص السلام والتنمية والعلاقات المشتركة.
كانت المداولات في القمة عميقة ومؤثرة في مباشرة للتطورات الاقليمية والدولية وتاثير ذلك على الأمن والاستقرار.
هذه القمة هي الاولى من نوعها منذ أن وقعت اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الأردن والاتحاد الأوروبي في يناير 2025، في عمان بحضور كبار القادة ممثلي أوروبا، تتحدث بلغة عالمية واقليمية عن أبرز القضايا والتحديات التي تواجه المنطقة والعالم وتبصّر القادة بمخاطر ما يجري وضرورة عدم الصمت عنه، لاسيما وأن المنطقة تشهد توترات اضافية باستمرار العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني واستمرار توتير الحبهات على لبنان وسوريا وما يحمله ذلك من تعطيل للتنمية والعلاقات، وبالمقابل تعزيز فرص الارهاب ونموه في ظل مخاطر غير متوقعة.
الأردن أمام الأوروبيين ومن خلال قيادة الملك عبد الله الثاني، يشكل نموذجاً للدولة المتماسكة التي ما زالت قادرة على عرض الشراكة وبفعالية، وما زالت دبلوماسيتها تتفاعل مع كل القضايا الساخنة، بمساهمات ملموسة ورؤية واضحة في لبنان وسوريا وفلسطين أو في تطورات الاوضاع المتصاعدة في كل الإقليم حيث القلق الأوروبي من استمراية التصعيد.
يدرك الأوروبيون الآن أن الأردن عنصر فعال ودولة ذات رؤية عميقة في الصراعات، وانه يمثل أحد روافع الاستقرار في المنطقة، وقد حافظ على استقراره وسط الهزات والحرائق والانهيارات السياسية والأمنية التي تلتهم المنطقة وما زالت، وانه ظل قادراً على التعاطي بفعالية مع الآزمات بدبلوماسية فاعلة ومبادرات عملية عبر دبلوماسية نشطة ودور واضح في استضافة لاجئين افرزتهم أزمات الصراعات المتتالية، مما يجعله شريكاً في البحث عن حلول وأن يكون ذا منزلة في الحسابات الأوروبية المتعلقة بذلك، وخاصة في الأبعاد الأمنية والهجرة ومكافحة الارهاب.
بحثت القمة معطيات واسعة ومحاور عديدة في شراكة متوازنة وقادرة في الدفاع والأمن والاقتصاد والتجارة والاستثمارة والهجرة وحماية اللاجئين.
وكان الاستعداد الأوروبي الملموس في مساعدة الأردن ودعمه المتواصل والذي جرى ترجمته بحزمة تمويلية بقيمة 3.04 مليارات يورور للسنوات من (2025 – 2027) وعلاقات تجارية ومتنامية ذات أفضلية جعلت الاتحاد الاوروبي ثالث أكبر شريك تجاري للأردن حيث يستحوذ على 12% من تجارة الأردن في مجال السلع... إنها قمة موفقة حصد الأردن فيها ثمار ما زرع. بفضل وعي قيادته ومثابرتها.. ــ الراي