وسيم العبادي يكتب : جواد السلايطة.. دمٌ أوجع الأردن، ورجالٌ أربكوا حسابات الغدر
* أرادوا للأردن أن ينزف خوفًا.. فواجههم برجال لا يعرفون الانكسار
بقلم وسيم العبادي
ليست كل الحوادث تُروى بتفاصيلها، فبعضها أكبر من الخبر، وأثقل من أن تحتويه الكلمات. وما جرى أمس في عمّان، حين امتدت يد الغدر إلى العريف الشهيد جواد علي خلف السلايطة، لم يكن مجرد اعتداء على رجل أمن يؤدي واجبه، بل طعنة في قلب كل أردني، وجرحًا جديدًا في وجدان وطن لم يتوقف عن دفع ثمن أمنه واستقراره من دماء أبنائه.
بأي كلمات يمكن أن نصف مشهدًا كهذا؟ وبأي لغة يمكن أن نعبّر عن غضبٍ اختلطت فيه الدموع بالقهر، وعن قلوب ضاق بها المصاب حتى بدا الحزن أكبر من قدرتنا على احتماله؟ أن يخرج رجل من بيته لأداء واجبه، ثم يعود إلى أهله شهيدًا، فذلك وجع لا تقوى عليه الكلمات، ولا تمحو قسوته عبارات العزاء.
رحم الله جواد السلايطة.
ذلك الشاب الذي لم يكن يحمل في ميدان واجبه سوى شرف الانتماء، وأمانة المسؤولية، وقسم الحماية. ارتقى وهو يؤدي واجبه، فاستحق أن يبقى اسمه في ذاكرة الأردنيين لا بوصفه رقمًا في سجل الشهداء، بل إنسانًا دفع حياته ثمنًا لأمن الناس وطمأنينة الوطن. وسيبقى وجع رحيله حاضرًا في قلوبنا، وستبقى ذكراه شاهدًا على أن خلف أمن هذا البلد رجالًا يضعون أرواحهم في مواجهة الخطر كي لا يصل إلى بيوتنا.
وفي قلب هذه الفاجعة، تقف صورة أخرى لا تقل عظمة؛ صورة ضابط الدورية الذي اندفع إلى الاشتباك مع المعتدي، ولم يتردد في مواجهة الخطر، في موقف بطولي يعكس معنى الأخوّة بين رفاق السلاح، حين تصبح حياة الزميل أمانة، ويصبح الواجب فعلًا لا يحتمل التردد. لقد جسّد هذا الضابط، بشجاعته وتدخله، معدن الرجال الذين لا يتركون رفاقهم في مواجهة الموت، ولا يتراجعون حين يناديهم الواجب. له منا كل الاعتزاز، وللمصاب بالشفاء العاجل.
أما ذلك الفكر الظلامي الذي يختبئ خلف الجريمة، فلا يملك مشروعًا سوى الموت، ولا لغة سوى الغدر، ولا طريقًا سوى محاولة بث الخوف في النفوس وزعزعة الثقة بالدولة ومؤسساتها. إنه فكر يظن أن الدم قادر على كسر إرادة الشعوب، وأن استهداف حماة الوطن يمكن أن يفتح أبواب الفوضى والفتنة. لكنه يخطئ في قراءة الأردن، ويجهل طبيعة شعبٍ تعلّم من تاريخه أن المحن لا تفرّقه، وأن الشدائد تزيده التصاقًا بأرضه ودولته وقيادته.
وهنا يجب أن نكون واضحين: لا مكان للفتنة بين الأردنيين، ولا مساحة للفوضى في وطن دفع أبناؤه أثمانًا باهظة ليبقى آمنًا موحدًا.
قد تختلف الآراء، وتتباين المواقف، لكن حين يتعلق الأمر بالأردن، وبأمنه، وبدماء أبنائه، يجب أن تسقط كل الحسابات الضيقة، وأن نتقدم جميعًا صفًا واحدًا. فلا نسمح لمن يتربص بهذا الوطن أن يتسلل إلى نسيجه الاجتماعي، أو يستثمر في أحزاننا، أو يحوّل غضبنا المشروع إلى خلاف بين أبناء البلد الواحد.
إن الوقوف إلى جانب أجهزتنا الأمنية ومؤسسات دولتنا ليس موقفًا عابرًا، بل واجب وطني، واليقظة في مواجهة خطاب الكراهية والتحريض مسؤولية الجميع. كما أن حماية الأردن لا تكون بالشعارات وحدها، بل بالوعي، وبوحدة الصف، وبالثقة، وبأن نرفض كل محاولة لاستدراجنا إلى المجهول.
لسنا مطالبين بأن نخفي حزننا، ولا بأن نبتلع غضبنا؛ فمن حقنا أن نحزن، ومن حقنا أن نغضب، ومن حقنا أن نسأل ونطالب بأن تبقى عيون الوطن يقظة أمام كل خطر. لكن ليس من حق أحد أن يجعل من دماء شهدائنا بابًا للانقسام أو وقودًا للفتنة.
يا أردن، كم مرة حاولت يد الغدر أن تنال منك، فوجدتك أصلب من محاولاتها، وأكبر من مخططاتها، وأعمق من أن تهزك رياح التطرف؟ وكم مرة ظن أصحاب الفكر المظلم أن الخوف سيطرق أبوابك، فإذا بأبنائك يقفون أكثر ثباتًا وإصرارًا؟
إن دماء جواد السلايطة ليست مجرد حكاية حزن نطويها مع الأيام؛ إنها أمانة في أعناقنا، ونداء للوحدة واليقظة والوفاء.
رحم الله شهيدنا، وحمى رفاقه، وشفى الضابط الجريح، وحفظ الأردن من كل يد غادرة وفكر ضال وفتنة عمياء.
ولنقلها بوضوح، وبصوت الأردني الذي يعرف قيمة وطنه: قد يوجعنا الإرهاب، وقد يخطف منا الأحبة، لكنه لن يخطف منا الأردن. سنحزن، وسنبكي شهداءنا، لكننا لن ننكسر، ولن نسمح للظلام أن يسرق منا نور وحدتنا.
فالأوطان لا يحرسها السلاح وحده، بل يحرسها شعب يعرف متى يختلف، ومتى يتوحد، ومتى يقف خلف وطنه كأنه يقف خلف روحه.
سلامٌ على جواد، وسلامٌ على كل من جعل من حياته سياجًا لأمن الأردن… وسلامٌ على وطنٍ لا يزال أبناؤه يثبتون، مرة بعد مرة، أنهم أقوى من الغدر وأبقى من الفتنة.
قد يوجعنا الإرهاب، وقد يخطف منا الأحبة، لكنه لن يخطف منا الأردن