اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

حمادة فراعنة… حين تُقرأ السياسة الإسرائيلية من جذور المشروع لا من أسماء المرشحين

حمادة فراعنة… حين تُقرأ السياسة الإسرائيلية من جذور المشروع لا من أسماء المرشحين
أخبارنا :  

من نتنياهو إلى أيزنكوت ولبيد… هل يتغيّر النهج الصهيوني أم تتبدّل الوجوه؟

بقلم: نضال فايز البيك

ليست قوة المقال السياسي في قدرته على استعراض الأحداث وأسماء المتنافسين فحسب، بل في قدرته على كشف ما وراءها، وقراءة ما تخفيه التحولات السياسية من ثوابت ومصالح ومشروعات. وهذه هي الزاوية التي يذهب إليها الكاتب والمحلل السياسي حمادة فراعنة في مقاله «لا بديل صهيونياً إلا البديل»، المنشور في جريدة الدستور الأردنية، الثلاثاء 3 تشرين الثاني 2026.

يضع فراعنة يده على جوهر المسألة حين ينقل النقاش من المفاضلة بين بنيامين نتنياهو وغادي أيزنكوت ويائير لبيد، إلى السؤال الأكثر أهمية: هل نحن أمام بديل حقيقي يغيّر السياسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني، أم أمام محاولة لإعادة إنتاج النهج ذاته بوجوه وأدوات مختلفة؟

إن أهمية هذه القراءة أنها لا تنخدع بالشعارات الانتخابية، ولا تتعامل مع المعارضة الإسرائيلية باعتبارها بالضرورة نقيضاً لسياسات الحكومة القائمة، بل تدعو إلى التمييز بين التغيير في إدارة السلطة والتغيير في جوهر المشروع السياسي. فقد تتبدل الحكومات، وتتغير التحالفات، وتتراجع شعبية زعيم وتصعد شعبية آخر، لكن المعيار الحقيقي يبقى في الموقف من حقوق الشعب الفلسطيني، وحقه في الحرية وتقرير المصير، وفي مدى الاستعداد للاعتراف به شريكاً سياسياً وصاحب أرض ووطن.

أيزنكوت… اختبار النوايا لا اختبار الأرقام

ومن أبرز النقاط التي يثيرها المقال، الشروط التي طرحها أيزنكوت بشأن هوية الدولة ووثيقة استقلالها والخدمة العسكرية أو المدنية والموقف من حركة حماس وقطاع غزة. فهذه الشروط، كما يقرأها فراعنة، تضع الأحزاب العربية الفلسطينية أمام اختبار سياسي وهوياتي يتجاوز مجرد المشاركة في تشكيل حكومة أو إسقاط حكومة أخرى.

وهنا تبرز المفارقة: كيف يمكن الحديث عن المساواة بين المواطنين، بينما تُطرح شروط تمس هوية المواطنين الفلسطينيين وانتماءهم وحقوقهم، وتطالبهم بالتعامل مع رواية سياسية واحدة بوصفها أساساً للمواطنة؟

إن المشاركة السياسية لا تعني التنازل عن الهوية الوطنية، ولا تعني منح الثقة بلا ضمانات، ولا يجوز أن تتحول الأرقام البرلمانية إلى وسيلة لفرض شروط تنتقص من الحقوق. فالمعيار ليس عدد الأصوات التي يستطيع مرشح جمعها، بل طبيعة المشروع الذي يريد تمريره، والحقوق التي يقبل الاعتراف بها.

سبعة ملايين فلسطيني… الحقيقة التي لا تستطيع الانتخابات تجاوزها

تتجاوز رؤية فراعنة حدود المنافسة على رئاسة الحكومة الإسرائيلية إلى حقيقة ديموغرافية وسياسية أساسية: وجود الشعب الفلسطيني على أرض وطنه، داخل مناطق عام 1948 وفي الضفة الغربية وقطاع غزة. وهذه الحقيقة ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه، ولا ملفاً أمنياً قابلاً للإغلاق بالقوة، بل هي جوهر القضية التي أخفقت السياسات الإسرائيلية المتعاقبة في حلها حلاً عادلاً.

لقد جُرّبت مسارات سياسية، كما جُرّبت سياسات القمع والتضييق والقوة العسكرية، لكن استمرار الصراع يؤكد أن الأمن الدائم لا يمكن أن يقوم على إنكار حقوق شعب آخر، وأن السيطرة على الأرض لا تعني امتلاك الشرعية، كما أن التفوق العسكري لا يمنح صاحبه القدرة على إلغاء شعب أو محو هويته الوطنية.

ومن هنا، فإن استحضار تجربة إسحاق رابين وشمعون بيريس ومسار أوسلو، في مقابل نهج اليمين الإسرائيلي، يفتح الباب أمام مراجعة أعمق: ليست القضية مجرد خلاف بين يسار ويمين، بل أزمة سياسية وأخلاقية تتصل بمدى استعداد المجتمع الإسرائيلي للاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية والقبول بتسوية عادلة تنهي الاحتلال وتضمن الأمن والحرية للطرفين.

الأردن وفلسطين… قراءة تتجاوز حدود المشهد الإسرائيلي

وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة بالنسبة إلى الأردن، لأن القضية الفلسطينية ليست قضية بعيدة عن أمنه الوطني ومصالحه الاستراتيجية، بل ترتبط مباشرة باستقرار المنطقة، ومستقبل الضفة الغربية، ورفض التهجير والوطن البديل، وحماية الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

ومن هذا المنطلق، فإن قراءة التحولات داخل المجتمع السياسي الإسرائيلي لا ينبغي أن تقوم على الرهان على اسم بعينه، ولا على افتراض أن سقوط حكومة وصعود أخرى يعنيان بالضرورة تغيراً في السياسات. المعيار هو الموقف العملي من الاحتلال والحقوق الفلسطينية، ومنع التهجير، واحترام القانون الدولي، والاستعداد لحل سياسي عادل.

وهنا تبرز أهمية التحليل الذي يقدمه حمادة فراعنة؛ فهو يدعو القارئ إلى النظر خلف العناوين الانتخابية، وإلى عدم الخلط بين تغيير الأشخاص وتغيير المسارات، وبين الوعود السياسية والوقائع التي تُصنع على الأرض.

الخلاصة: البديل الحقيقي هو تغيير النهج

إن الإشادة بمقال حمادة فراعنة لا تأتي من مجرد الاتفاق مع كل تفصيل ورد فيه، بل من تقدير منهجه في طرح السؤال الصعب، ومساءلة الخطاب السياسي الإسرائيلي، وربط التنافس على السلطة بجذور الصراع ومآلاته.

فالبديل الحقيقي ليس اسماً جديداً في رئاسة الحكومة، ولا تحالفاً انتخابياً مختلفاً، ولا خطاباً أكثر هدوءاً في الشكل؛ البديل الحقيقي هو التحول من منطق السيطرة والإنكار إلى الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، ومن إدارة الصراع إلى العمل الجاد على إنهائه، ومن استخدام الأمن ذريعة لاستدامة الاحتلال إلى بناء أمن عادل لا ينتقص من حرية الشعب الفلسطيني وكرامته.

وإلى أن يصبح هذا التحول واقعاً سياسياً ملموساً، ستظل الأسئلة التي يطرحها فراعنة حاضرة: هل تتغير الحكومات لأن السياسات أخفقت، أم تتغير السياسات لأن أصحاب القرار أدركوا أن الشعوب لا تُمحى، وأن الحقوق لا تسقط بتبدل الحكومات؟

إنها قراءة تستحق التوقف عندها؛ لأنها لا تكتفي بوصف المشهد، بل تحاول كشف ما وراءه، وتذكّرنا بأن فهم السياسة يبدأ من معرفة الثوابت التي تحكمها، لا من الانشغال بالأسماء التي تتصدر عناوينها.

تحية للكاتب والمحلل السياسي حمادة فراعنة، الذي يواصل الاشتباك مع القضايا الوطنية والقومية بعين تحليلية تربط الحدث بجذوره، وتضع القضية الفلسطينية في قلب المشهد، حيث يجب أن تبقى، بعيداً عن أوهام البدائل الشكلية ومراهنات تبديل الوجوه

مواضيع قد تهمك