د. خالد الحريرات البطوش : نتنياهو أم آيزنكوت
«ومن نكد الدنيا على الحر ان يرى عدوا له ما من صداقته بد» (أبو الطيب المتنبي).
قدر الاردن ان يواجه التحديات في اقليم ملتهب، وفي الوقت الذي لا يد له في العوامل التي تضع المنطقة على حافة الهاوية الا انه لا يمكن له الا ان يتعامل مع تداعياتها، ووفقا لهذه المعادلة المعقدة سيشكل التعامل مع الحكومة الاسرائيلية القادمة جزءا اساسيا من السياسة الخارجية الاردنية، وسواء كان رئيسها نتنياهو ام ايزنكوت فان رعاية المصالح الاردنية والدفاع عن المصالح الفلسطينية يضطر الحكومة الاردنية الى التعاطي مع الادارة الاسرائيلية الجديدة، او بالاقل مواجهة تبعات القرارات التي ستقدم على اتخاذها والتي تتصل بشكل مباشر او غير مباشر بامن الحدود الاردنية وقضايا اللاجئين والموقف من المستعمرات في الضفة الغربية والوضع الامني في غزة.
لم يكن مفاجئا المزاج اليميني في المجتمع الاسرائيلي الذي دفع باحزاب اليمين المتشدد واليمين ويمين الوسط الى حجز اكبر عدد من المقاعد في الكنيست القادم، والصادم في نتيجة تلك الانتخابات هو اتساع مساحة الاتفاق بين نتنياهو وايزنكوت بخصوص استبعاد اقامة دولة فلسطينية مستقلة، فمواقف نتنياهو معروفة، وقد برهن عليها بوضوح من خلال اشعال حرب شعواء تجعل من هذا الحل ضربا من المستحيل، في حين لا يرى ايزنكوت وجودا لدولة بين البحر والنهر سوى لاسرائيل.
قد يرى البعض ان الاختلافات بين الرجلين لا تتعدى التكتيك وترتيب الاولويات التي لا تصنع فارقا جوهريا بين توجهات اي منهما، لكن ايزنكوت الذي شارك في مجلس الحرب بعد احداث 7 تشرين الأول 2023 لم يستطيع اخفاء اختلافه مع نتنياهو بخصوص اهداف الاعتداء على غزة واولويات تنفيذها، ولذلك انسحب بعد اقل من سنة من بدء الاعتداء، كما ان الميول السياسية لمعسكر الدولة ثم ( يشار) الذي اسسه ايزنكوت تدرج تلك الاحزاب في وسط الطيف السياسي، وهذا ما يفسر التباين في مواقفه عن تلك التي يتخذها نتنياهو، ولعل ابرزها رفض ايزنكوت للاستيطان بدون موافقة الدولة في الضفة الغربية ومعارضته لها في غزة، كما انه يفضل عدم اخضاع الضفة الغربية لحكم اسرائيل، ولا يخفي رغبته في اعادة الاعتبار للعلاقات مع الاردن ومصر، وبالرغم من انه لا يعارض الحرب على ايران، الا انه معارضته لاسقاط النظام كهدف لتلك الحرب يضع الصراع على نقطة اقرب الى الانهاء منها الى الاستمرار، وفي المحصلة لم يحصل اي منهما على اغلبية النصف زائد واحد في الانتخابات، ولذلك لن تتشكل الحكومة بدون تحالفات، وهذا يفتح الاحتمالات على تولي اي منهما لرئاسة الوزراء، وعوامل الترجيح تتعدى البعد المحلي الى تأثير الادارة الاميركية ذاتها.
بقاء نتنياهو في السلطة للسنوات القادمة سيأجج العنف ويزيد التوتر في الاقليم، ومع شخص بمثل هذه الطباع فانه لن يتردد في احالة ثقة الناخبين ونشوة الفوز الى تفويض لاستباحة حقوق الفلسطينيين في الضفة والقطاع، كما ان ادامة حالة الحرب مع ايران تشكل رغبة جامحة في ذهنه، ولطالما جهر بها لقدح حماس الناخبين في الايام الاخيرة، لكن مع كل هذه المخاطر تبقى العزلة الدولية المرتبطة بادارته مستمرة على نحو قد يسعف المجموعة العربية في لجم نزعته العدوانية.
احتمال صعود ايزنكوت الى دفة الحكم، سواء بالتحالف مع الكتلة العربية او احزاب اخرى، ام بضغط من الولايات المتحدة – وهو احتمال ضعيف-، قد يغير قتامة المشهد، ولكن يخشى ان يكون ايزنكوت هو القفاز الناعم للقبضة الحديدية لدولة الاحتلال في السنوات القادمة، ولذلك، وفي جميع الاحوال على الاردن ان يتمسك بالعمل مع المجموعة العربية والاتحاد الاوروبي في المرحلة القادمة وصولا الى حل يضمن قيام دولة فلسطينية وفقا لقرارات الشرعية الدولية، كما ان الانتخابات الاميركية القادمة قد تسفر عن انفراج في موقف الادارة الاميركية يمكن استثمارة للتعامل بتوازن مع تداعيات هذا الصراع.