محمد جزدت الرفاعي : من يلوث الطرق؟
لفت انتباهي وأنا في طريقي من عمّان إلى إربد، مشهد لعمال الوطن وهم يجمعون النفايات والمخلّفات الملقاة على جانبي الطريق الخارجي، ويضعونها في أكياس كبيرة، ثم يصفّونها على جانب الطريق بانتظار السيارة المخصصة لجمعها ونقلها.
مشهد قد يبدو عادياً لمن اعتاد رؤيته، لكنه بالنسبة لي يطرح سؤالاً يستحق أن نتوقف عنده: لماذا يضطر هؤلاء العمال إلى جمع نفايات كان بالإمكان ألّا تصل إلى الطريق أصلًا؟ ولماذا يختار بعض السائقين أن يرموا مخلفاتهم من نوافذ مركباتهم، وكأن الطريق مكان مخصص للتخلص من النفايات، لا مساحة عامة يشترك الجميع في استخدامها والمحافظة عليها؟
هؤلاء العمال يؤدون عملاً يستحق الاحترام والتقدير، ويبذلون جهداً يومياً للحفاظ على نظافة الطرق والمرافق العامة، ويتعاملون مع مخلفات لم يضعوها، ويتحملون أعباء إضافية كان يمكن تجنبها لو تحلّى كل شخص بشيء من المسؤولية والوعي، وفوق ذلك، فإن عملهم على الطرق الخارجية قد يعرّضهم لمخاطر حركة السير، ما يجعل رمي النفايات سلوكاً لا يقتصر ضرره على تشويه المنظر العام، بل قد يضيف أعباء ومخاطر على أشخاص يعملون لخدمة المجتمع.
والسؤال هنا: هل يليق بنا أن نرمي علبة مشروب أو كيساً أو بقايا طعام من نافذة السيارة، ثم نواصل طريقنا وكأن الأمر لا يعنينا؟ هل تصبح النفايات أقل ضرراً لمجرد أننا لم نعد نراها خلفنا؟ وهل من المنطق أن نطالب بطرق نظيفة وبيئة جميلة، بينما يسهم بعضنا في تلويثها بيده؟
المشكلة ليست في نقص عمال النظافة، ولا في قدرتهم على أداء واجبهم، وإنما في السلوك الذي يجعلهم يعودون إلى المكان نفسه لتنظيف ما كان بالإمكان عدم تلويثه من الأساس، فالنظافة مسؤولية مشتركة، وليست مهمة تقع على عاتق عامل الوطن وحده، كما أن احترام الأماكن العامة ليس خياراً شخصياً، بل دليل على الوعي والتحضر واحترام حقوق الآخرين.
وإن الطريق الذي نعبره ليس ملكاً لنا وحدنا، بل هو جزء من وطننا، وصورته أمام أبنائنا وزوارنا، وحق للأجيال القادمة في بيئة نظيفة وآمنة، إذ ان المحافظة عليه لا تحتاج إلى حملات كبيرة بقدر ما تحتاج إلى قرار بسيط يتخذه كل سائق: ألّا يرمي شيئاً من نافذة مركبته، وأن يحتفظ بمخلّفاته حتى يجد سلة مهملات مناسبة.
قد يظن البعض أن علبة واحدة أو كيساً صغيراً لا يصنعان فرقاً، لكن الطرق لا تمتلئ بالنفايات دفعة واحدة؛ بل تتراكم بفعل تصرفات صغيرة يكررها أشخاص كثر، ويمكن أن تصبح نظيفة بالقدر نفسه إذا قرر كل واحد منا أن يكون جزءاً من الحل.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل واحد منا على نفسه: إذا كنا نحترم وطننا ونعتز به، فلماذا نسمح لأنفسنا بتلويثه بأيدينا، ثم ننتظر من الآخرين أن ينظفوا ما تركناه خلفنا؟ فاحترام الوطن لا يكون بالكلام عنه فقط، بل بالسلوك الذي نمارسه على أرضه، حتى في أبسط التفاصيل.