القس سامر عازر : كركي مسيحي شهيد اسمه الدكتور محمد القسوس
القس سامر عازر
يوم أمس، الاثنين، جرت مراسم جنازة ثانية مهيبة في كنيسة دخول السيد إلى الهيكل للروم الأرثوذكس في الصويفية بعمان، للشهيد الأردني الكركي المسيحي الدكتور محمد قسوس، الذي استشهد مع تسعة آخرين في الحدث الإرهابي الجبان الذي نفّذه ثلاثة إرهابيين على كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود في الكرك، يوم الجمعة الماضي، بتاريخ ٢٠٢٦/١٠/٢٣، حيث أُصيب ما يقارب ستة وثلاثين شخصًا، من بينهم اثنان من الأصدقاء المسلمين الحاضرين لخدمة تشييع جنازة المرحومة امثال، وهما ساعد وراقي الحباشنة. ولولا تدخّل العناية الإلهية بإغلاق مدخل الكنيسة الرئيسي، لكانت المجزرة أكبر وأبشع بكثير مما حصل، ولسقط فيها عدد كبير من الشهداء والجرحى، ومن بينهم نساء أيضًا.
وللعلم، حاول المنفّذون الدخول من الأبواب الجانبية وإطلاق الرصاص على النوافذ، حيث استقرّت رصاصة في نعش المتوفاه.
ومما عُرف عن الدكتور محمد القسوس أنه طبيب الفقراء، وكانت عيادته في الزرقاء، وقد خدم الفقير قبل الغني. فقد تجسّدت في مهنته روح الخدمة الإنسانية من غير تفرقة أو تمييز، مع مراعاة حقيقية للظروف المادية الصعبة للناس، حتى إن سمعته سبقته. ولذلك، غصّت قاعة الكنيسة خلال خدمة جنازته في الصويفية بالعديد من الأخوات والإخوة المسلمين، شركاء الوطن والدم والمصير.
والشهيد طبيب الأسنان الدكتور محمد القسوس هو ابن يوسف عودة القسوس، الذي يُعدّ أحد مؤسسي مدينة الزرقاء. وقد اختار له اسم محمد تعبيرًا عن قناعاته القومية والعربية، وإيمانه بالهوية العربية المشتركة بين المسلمين والمسيحيين. علاوة على ذلك، فقد سمّى بقية أبنائه عمر وجعفر وخالد.
ولم يكن أمرًا عاديًا أن يكون اسم من يُصلّى عليه داخل الكنيسة «محمد»، فتردّد اسمه في الصلوات حيث اقتضى الأمر ذلك. وللعلم، فإن هذا ليس غريبًا في الأردن، وبالتحديد في الكرك، حيث تجد مسيحيين يحملون أسماء عربية وإسلامية؛ فنحن مسيحيو الديانة، وذوو ثقافة عربية وإسلامية. فالكركيون، شأنهم شأن سائر الأردنيين، قبل أن يعرّفوا أنفسهم بأنهم مسيحيون، يعرّفون أنفسهم بأنهم أردنيون. وهذا ليس أبدًا انتقاصًا من مسيحيتهم، أو خجلًا من إيمانهم واتباعهم للسيد المسيح وتعاليم الإنجيل المقدس، بل تأكيدًا على عروبتهم وانتمائهم إلى أمتهم العربية التي يتفاخرون بها ويعتزون، ويجدونها قلعة حصينة أو مدينة محصّنة، كقلعة الكرك التي يعود اسمها إلى أصل آرامي وسرياني، هو «كاركا»، ويعني القلعة أو المدينة المحصّنة أو الحصن المنيع.
وربما، لما يجسّده مسيحيو الكرك من حصن منيع للفكر العروبي والقومية العربية، ولما يشكّلونه من نموذج لوحدة الحال وأخوّة الدم بين المسلمين والمسيحيين، فقد جرى استهداف هذا الحال المعيشي، وهذا النهج العروبي، وهذا النموذج الوئامي الذي تجسّده الكرك، ومعها كل القرى والبلدات والمدن الأردنية.
وفي الكرك تحديدًا، ما يُسمّى «وشاح الدم»، وهو وشاح أحمر بلون الدم، يقلّده خوري كنيسة الروم الأرثوذكس في الكرك لشيخ مشايخ الكرك عند تنصيبه. وهذا ما قام به الأب فادي هلسة عام ٢٠١٧ مع شيخ مشايخ الكرك عاطف المجالي، إشارة إلى وحدة الحال والدم والمصير التي تجمع مسيحيي الكرك ومسلميها، في وحدة حال منقطعة النظير. فدم المسيحي ودم المسلم واحد، ولا تفرّق بينهما الديانة. وهناك من يقول إن هذه العادة تعود إلى عام ١٨٠٤. وكيف لا، وأهل الكرك المسيحيون وقفوا تاريخيًا وقفة الأبطال في واقعة مؤتة، وسُمّوا بالعزيزات لأنهم أعزّوا جيش الرسول العربي الكريم،
وحسب الروايات التاريخية، تدخّل عودة القسوس لدى قائد الحملة العثمانية لحماية أبناء الكرك، وأُشير إلى تمييز بيوت المسيحيين بوضع الصليب على أبوابها. وتروي مصادر أن المسيحيين طلبوا من جيرانهم المسلمين وضع الصليب أيضًا على أبواب بيوتهم، حتى لا تتحوّل العلامة إلى وسيلة للتفريق بينهم، في تجسيد عميق للأخوّة والوحدة بين أبناء الكرك. فيا للفخر ويا للرجولة!
وللعلم، فرغم أن الشهيد محمد القسوس ينحدر من عشيرة القسوس، فإن كلمة «القسوس» مشتقة من «قس» أو «قسيس»، وجمعها «قسوس» أو «قساوسة»، إلا أن اسمه هو محمد. هذه هي الكرك، وهذا هو الأردن الذي لا يميّز بين مسلم ومسيحي، بل إن الجميع في الكرك كركيون، أبناء عمومة واحدة.
رحمك الله يا شهيد الوطن والإيمان والإنسانية والواجب، فقد جسّدت في شخصك الكريم تعاليم السيد المسيح من محبة وإيمان ورجاء، وقيم الإسلام السمحة من رحمة ومودة. فنسأل لك الراحة الأبدية في الأمجاد السماوية مع المسيح والملائكة والقديسين. وإن اختطفتك يد المنون بثلاث رصاصات غادرة، فإنك سوف تبقى ذلك الإنسان الطيب والأصيل والنشمي، الذي جسّد في حياته معنى الوطنية والعروبة والأخوّة والإنسانية.