اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

معاذ وليد أبو دلو : الانتخابات الإسرائيلية.. ثلاثة سيناريوهات للمشهد السياسي

معاذ وليد أبو دلو : الانتخابات الإسرائيلية.. ثلاثة سيناريوهات للمشهد السياسي
أخبارنا :  

تتجه إسرائيل في 27 تشرين الأول 2026 إلى انتخابات الكنيست، في أول انتخابات عامة تجري بعد أحداث السابع من أكتوبر وما أعقبها من حرب طويلة وتغيرات عسكرية وأمنية وسياسية امتدت آثارها إلى غزة والضفة الغربية وجبهات إقليمية متعددة.

 


من هنا، فإن هذه الانتخابات لا تبدو مجرد استحقاق دوري لتجديد أعضاء الكنيست، بل اختباراً سياسياً عميقاً بعد واحدة من أكثر المراحل اضطراباً في تاريخها الحديث.⁠

إسرائيل لا تمتلك دستوراً مكتوباً في وثيقة دستورية واحدة، وإنما يقوم نظامها الدستوري على مجموعة من قوانين الأساس التي تنظم شكل الدولة وعمل مؤسساتها والعلاقة بين السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية والحقوق والحريات.

أما السلطة التشريعية فتتمثل في الكنيست، وهي برلمان أحادي الغرفة يتكون من 120 عضوا. ويجري انتخاب أعضائه من خلال قوائم حزبية، وليس عبر دوائر انتخابية محلية متعددة، وتشارك في توزيع المقاعد القوائم التي تتجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25 % من الأصوات الصحيحة، ثم توزع المقاعد وفقا للقوة الانتخابية للقوائم .

ويحق للإسرائيلي التصويت ابتداء من سن الثامنة عشرة، بينما يشترط للترشح لعضوية الكنيست بلوغ سن الحادية والعشرين، هذه البنية الانتخابية تفسر إلى حد كبير طبيعة السياسة الإسرائيلية؛ فالانتخابات لا تنتج بالضرورة حكومة بمجرد فوز حزب بأكبر عدد من المقاعد، وإنما تنتج برلماناً متعدد الأحزاب، ثم تبدأ عملية تشكيل الحكومة من خلال بناء ائتلاف قادر على الحصول على ثقة الكنيست.

انتخابات 2026 تبدو مختلفة عن سابقاتها، لأنها تجري في ظل سؤال أمني وسياسي ما يزال يفرض نفسه بقوة على المجتمع الإسرائيلي حول قراءة ما حدث في السابع من أكتوبر وما تلاه من حرب على غزة ومواجهات وجبهات إقليمية، وتحمل المسؤولية السياسية عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم وما أعقبه.

استطلاعات الرأي تشير إلى أن المشهد لا يمنح أي طرف طريقا سهلا نحو أغلبية برلمانية مستقرة. حصل كل من الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو و”يشَار” بزعامة غادي آيزنكوت على 20 مقعدا، وهي أرقام لا تقود لنتيجة انتخابية محسومة، وإنما تؤكد أن الكنيست أمام خريطة سياسية مجزأة، وأن تشكيل الحكومة قد يكون معركة كبيرة.

يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسة، في هذا السياق، الأول: تشكيل حكومة من خلال تفوق واضح لإحدى الكتلتين، فقد تنجح إحدى القوى السياسية في الحصول، منفردة أو من خلال تحالفات، على العدد الكافي من المقاعد لتشكيل حكومة مستقرة، وقد يكون ذلك عبر استمرار نتنياهو في قيادة ائتلاف يميني ديني، أو انتقال مهمة تشكيل الحكومة إلى غادي آيزنكوت وحلفائه إذا استطاعت المعارضة بناء أغلبية برلمانية.

لكن طبيعة النظام الحزبي الإسرائيلي تجعل الوصول لأغلبية واضحة أمراً معقداً، خصوصاً مع تعدد القوائم وتجاوز عدد من الأحزاب الصغيرة للعتبة الانتخابية، وضعف الليكود، ما يجعل تركيب الائتلاف أكثر تعقيداً من مجرد معرفة الحزب الذي سيحصل على المركز الأول.

السيناريو الثاني هو حكومة وحدة واسعة تضم الليكود وقوى من المعارضة، بما يخفف من حدة الاستقطاب الداخلي ويمنح الحكومة قاعدة برلمانية أوسع بمواجهة الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية. يمكن أن يصبح السيناريو خيارا مطروحا إذا انتهت الانتخابات إلى تعادل أو تقارب شديد بين الكتل، ولم يتمكن أي معسكر من الوصول إلى 61 مقعداً.

الأمر قد يكون أكثر تعقيداً من الناحية السياسية؛ فتشكيل حكومة تجمع خصوماً انتخابيين يحتاج لتسويات حول رئاسة الحكومة وتوزيع الحقائب والأولويات السياسية، وتقسيم المدد الزمنية للرئاسات فضلاً عن الملفات التي أصبحت جوهرية بالصراع الداخلي الإسرائيلي، وفي مقدمتها المسؤولية عن أحداث السابع من اكتوبر، وإدارة الحرب، والملف الفلسطيني، والعلاقة بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الأمنية، وقضايا الخدمة العسكرية والهوية الدينية للدولة.

لكن حكومة الوحدة، إذا تشكلت، لن تكون بالضرورة مجرد تسوية انتخابية، فقد تعكس إدراكا بأن الانقسام الداخلي وصل لمرحلة يصعب معها حكم إسرائيل من خلال ائتلاف ضيق بظل استمرار التحديات الأمنية والإقليمية.

في السيناريو الثالث يكون إعادة الانتخابات بسبب انسداد سياسي ما يعني العودة لصناديق الاقتراع لعدم تمكن أي طرف من تشكيل حكومة تحظى بثقة الكنيست، أو انهيار الائتلافات المقترحة خلال عملية التشكيل، بما يقود بالنهاية لحل الكنيست والعودة لانتخابات جديدة.

السيناريو ليس مستبعداً في النظام السياسي الإسرائيلي، الذي شهد خلال السنوات الماضية تكراراً للانتخابات بسبب صعوبة تشكيل أغلبية مستقرة.

من الناحية السياسية، فإعادة الانتخابات لن تكون الخيار المفضل لأي طرف، لأنها ستعني استمرار حالة عدم اليقين، وتأجيل تشكيل حكومة مستقرة، وإبقاء الملفات الأمنية والسياسية الكبرى رهينة للصراع الحزبي،كما أن انتخابات جديدة لن تضمن بالضرورة إنتاج خريطة برلمانية مختلفة، ما يجعلها في بعض الحالات مجرد إعادة إنتاج للأزمة نفسها.

في جميع السيناريوهات، يبقى العامل الأمني أحد أكثر العناصر تأثيراً بالناخب الإسرائيلي. فخلال العقدين الأخيرين شهد المجتمع الإسرائيلي تحولات واضحة في الخريطة الحزبية، وتراجع وزن اليسار التقليدي مقابل صعود التيارات اليمينية والدينية والقومية.

واللافت بهذه الانتخابات لم يعد السابع من أكتوبر مجرد حدث أمني أو عسكري في الذاكرة الإسرائيلية، وإنما تحول إلى معيار سياسي يحاكم من خلاله الناخبون أداء الحكومة والقيادة السياسية. ويحاول نتنياهو تقديم نفسه باعتباره رجل الأمن القادر على إدارة المخاطر الإقليمية، بينما يقدم خصومه الانتخابات بوصفها فرصة لمراجعة الأداء السياسي والأمني وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات.


مواضيع قد تهمك