اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

المهندس محمد العمران الحواتمة يرثي والده ..

المهندس محمد العمران الحواتمة يرثي والده ..
أخبارنا :  

لم يكن أبي رجلاً عادياً في حسابات الحياة لأن بعض الرجال لا تفهم قيمتهم من مناصبهم ولا تختصر سيرتهم بعدد سنوات خدمتهم بل بما يتركونه في نفوس الناس وبما ترويه الأيام عنهم حين يغيبون. هناك رجال يمرون في الحياة مروراً عابراً وهناك رجال يتركون أثراً يشبه جذور الشجر لا نراها دائماً لكنها تظل تمسك الأرض وتحمي ما فوقها من السقوط .

كان أبي مبارك العمران الحواتمة ابو حازم واحداً من أولئك الرجال الذين لم ينتظروا من الحياة أن تكون سهلة ولم يجعلوا صعوبتها حجة للتراجع .

كان يستيقظ باكراً قبل الجميع وكأن النهار كان موعداً قطعه على نفسه لا يسمح لنفسه أن يتأخر عنه ، بينما كانت البيوت لا تزال غارقة في سكونها كان أبي يبدأ يومه ويحمل همومه ومسؤولياته ويمضي إلى عمله ، لم يكن يعرف أن يؤجل واجباً بحجة التعب ولا أن يمنح نفسه راحة طويلة فيما كانت الحياة تطلب منه المزيد .

ثلاثة وعشرون عاماً أمضاها في القوات المسلحة الأردنية خدم فيها وطنه وعرفه خلالها رجال دربهم وعمل معهم وبقي حاضراً في ذاكرة من عرفوه ، لم تكن شخصيته قائمة على الجرأة وحدها ولا على الحنان وحده بل كان يجمع بين قلب يعرف الرحمة وموقف يعرف الشجاعة وهذه خصلة لا يجيدها الجميع وهي أن تكون حنوناً دون ضعف وجريئاً دون قسوة وصاحب كلمة دون أن تفقد إنسانيتك .

ولعل أجمل ما في الإنسان أن يترك أثره في الآخرين دون أن يتعمد ذلك وأن يذكرك من عرفك لأن موقفاً منك بقي معه أو لأن كلمة قلتها في وقتها صنعت فرقاً في حياته وحين يعرفك من دربتهم وعاشروك في ميادين القوات المسلحة فإن ذلك يفتح باباً للحديث عن علاقة تجاوزت حدود الوظيفة إلى ذاكرة الرجال الذين جمعتهم الخدمة والواجب.

لكن حكاية أبي لم تنته بانتهاء خدمته العسكرية ، فبعد ثلاثة وعشرين عاماً واصل العمل في تربية الأغنام ثم سائقاً لتكسي وعمل أيضاً في مؤسسة المتقاعدين العسكريين ، فتبدلت المهن وبقيت الروح ذاتها روح الرجل الذي لا ينتظر أن تأتيه الحياة بما يريد بل يخرج إليها ويسعى ، لم يعرف الراحة كما يتمناها المتعبون لأن المسؤولية كانت دائماً تسبقه إلى يومه.

وحين أتأمل اليوم مسيرة أبي أفهم أن الأبوة ليست كلمة تقال ولا صورة تعلق على الجدار ، الأبوة عمر يبذل وقلق لا يراه الأبناء وتضحيات قد لا يدركون معناها إلا حين يكبرون ، إنها أن يستيقظ الأب قبل الجميع ويعمل أكثر مما يتحدث ويحمل في داخله ما لا يعرفه عنه أقرب الناس إليه.

واليوم نرى أثر هذه المسيرة في أبنائه وبناته ، في المهندس محمد العمران والرائد أحمد العمران وابنته المعلمة وابنته الممرضة وابنته المحاسبة وغيرهم ممن شقوا طريقهم في العلم والعمل ، لا أقول إن نجاح الأبناء حكاية أب وحده فلكل إنسان اجتهاده وطموحه لكنني أعرف أن وراء كل أسرة كافح من أجلها رجل يستحق أن يذكر وأن وراء كثير من البدايات آباء لم تمنحهم الحياة فرصة كافية للاحتفال بما صنعوه.

أبي لم أكن أريد أن أكتب عنك بوصفك اسماً في خبر وفاة أو رقماً في سجل الخدمة أو رجلاً تنقل بين المهن ، أردت أن أكتب عن الإنسان الذي كان يستيقظ قبل الجميع وعن الحنان الذي اجتمع فيك مع الجرأة وعن الرجل الذي عرفه من دربهم وشاركه زملاؤه ميادين الواجب ثم واصل الكفاح بعيدًا عن الزي العسكري.

رحلت لكن بعض الغياب لا يقاس بعدد الأيام التي تمر بعده بل يُقاس بالأشياء الصغيرة التي تكتشف فجأة أنها لن تعود كما كانت ويبقى عزاؤنا أن سيرة الإنسان لا تنتهي عند قبره ما دام هناك من يتذكره بصدق ومن يحمل اسمه بمحبة ومن يجد في حياته درساً يستحق أن يروى.

رحمك الله يا أبي وجعل سنوات خدمتك لوطنك وأيام عملك وكفاحك وكل ما بذلته في سبيل أسرتك في ميزان حسناتك وأسأل الله أن يعوّضك عن تعب الدنيا راحة لا تنتهي وأن يكرم نزلك ويوسع مدخلك ويجمعنا بك في جنات النعيم.

أبي كنت تستيقظ قبل الجميع واليوم سبقناك إلى النهار وبقيت أنت في ذاكرتنا حاضراً في حكاياتنا وفي ملامحنا وفي كل معنى تعلمناه منك دون أن تقصده ، رحمك الله بقدر ما تعبت وبقدر ما منحت وبقدر ما تركت في قلوبنا من محبة لا يطفئها الغياب.


ابنك المحب والوفي

المهندس محمد العمران الحواتمة


مواضيع قد تهمك