اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

المحامي معن عبد اللطيف العواملة : الحوكمة الرشيدة

المحامي معن عبد اللطيف العواملة : الحوكمة الرشيدة
أخبارنا :  

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها عالمنا اليوم، تبرز الحوكمة كأحد أهم الركائز الأساسية التي تستند إليها الدول والمؤسسات لضمان الاستدامة وتحقيق التنمية. وغالباً ما يُنظر إلى الحوكمة الرشيدة بمفرداتها المعاصرة كالشفافية، والمساءلة، وسيادة القانون، على أنها منتج فكري وإداري غربي حديث، تم استيراده وتطبيقه في إداراتنا العربية كجزء من متطلبات العمل، أو استجابةً لرغبات المنظمات الدولية. إلا أن القراءة المتأنية في عمق التراث الفكري العربي، وفي كتابات رواد النهضة والفكر النقدي الحديث، تكشف لنا عن جذور أصيلة لهذه المفاهيم، مما يدعونا لإعادة النظر في كيفية تفعيلها في بيئتنا الإدارية المعاصرة.

يكمن جوهر الحوكمة في تقييد السلطة بالمسؤولية، وإعلاء قيمة العدل، ومحاربة الترهل. وقد انشغل العقل العربي طويلاً بثنائية السلطة والمجتمع، وإشكالية تفرد القرار. وإذا ما استحضرنا رواد الفكر العربي الحديث، نجد أن مفكراً فذاً مثل عبد الرحمن الكواكبي في نقده اللاذع للاستبداد، قد وضع يده مبكراً على الجرح الأساسي الذي يعيق التنمية والتقدم الإداري والسياسي. فالكواكبي، وغيره من المفكرين والنقاد الذين قرأوا بعمق بنية العقل العربي وأزماته الهيكلية، كشفوا عن أن غياب المساءلة وتمركز القرار هما آفتان تضربان في صميم أي مؤسسة. في هذا النقد الفكري دعوة مباشرة ومبكرة للحوكمة بمفهومها الشامل لبناء نظم ومؤسسات تقوم على التشاركية، وفصل السلطات، والرقابة المجتمعية.

المعضلة الحقيقية التي تواجهنا اليوم ليست في طفرة التنظير، بل في فجوة التطبيق. فقد تزاحمت في مكتباتنا وأروقة مؤسساتنا الأدلة الاسترشادية، ومدونات السلوك، وقوانين النزاهة. ولدينا اليوم هياكل تنظيمية تواكب أحدث المعايير العالمية، ولجان للتدقيق الداخلي وإدارة المخاطر. لكن، لماذا لا تزال العديد من مؤسساتنا تعاني من الترهل وضعف الفعالية؟ الإجابة تكمن في أن الحوكمة تحولت في كثير من الأحيان إلى مجرد امتثال شكلي لمتطلبات رقابية، ولم تتجذر كثقافة مؤسسية حية. لقد تعبنا في تصميم الهياكل والأنظمة، وتجاهلنا في أحيان كثيرة زرع القيم التي يجب أن تحركها.

ونحن نمضي قُدماً وبإرادة جادة في مسارات التحديث الإداري والاقتصادي، تبدو الحاجة ماسة إلى الانتقال بالحوكمة من قوالبها النظرية الجامدة إلى ممارسات يومية مرنة تلمس أثرها قواعد المجتمع. التحديث الإداري الناجح يستوجب إرساء عقلية قيادية تؤمن بأن المساءلة ليست تهديداً بل أداة للتحسين المستمر، وأن الشفافية ليست خياراً تجميلياً للإعلام، بل حق أصيل للمواطن وضمانة للعدالة وتكافؤ الفرص.

إن تحويل هذا الفكر إلى واقع ملموس يتطلب استثماراً حقيقياً في رأس المال البشري، وفي بناء صف ثانٍ من قيادات شابة تتشرب قيم النزاهة و تصنع القيمة العامة. علينا أن نعيد قراءة تراثنا الفكري ونستلهم منه ما يرسخ الشعور بالمسؤولية. فالموظف العام أو القيادي الذي يدرك أن موقعه هو تكليف وأمانة، بالمعنى العميق الذي طرحه مفكرونا الأوائل، سيكون أقدر على مقاومة الإغراءات وأحرص على تطبيق معايير الحوكمة بوازع ذاتي ورقابة مجتمعية لا رسمية، قبل الرقابة الخارجية الصارمة.

إن الحوكمة الرشيدة ليست وصفة سحرية تُستورد جاهزة لتُسقط على واقعنا، بل هي مسار تراكمي طويل يتطلب إرادة، ووعياً مجتمعياً، وبيئة تشريعية متماسكة، مع اعراف ملزمة. إن استحضار فكرنا العربي المستنير في نقده للخلل الإداري ودعوته للإصلاح، يشكل نقطة انطلاق قوية لبناء نموذج إداري وطني يضع المصلحة العامة في أعلى سلم أولوياته.


مواضيع قد تهمك