كامل النصيرات : أثر الفراشة
يقولون إن رفّة جناح فراشة في مكان بعيد ممكن تعمل عاصفة في مكان آخر. وأنا شخصيًا مقتنع أن الفراشة بريئة من كل البلاوي التي تحدث لنا، وأنها منذ أن سمعت بهذه النظرية وهي قاعدة في زاوية الشجرة وبتقول: «يا جماعة خلّوني بحالي!».
لكن المشكلة أن أثر الفراشة عندنا لا يحتاج فراشة أصلًا. يكفي أن تقول لزوجتك صباحًا: «صباح الخير، شكلك اليوم مبسوطة»، حتى تقضي بقية اليوم وأنت تحاول اكتشاف الجريمة التي ارتكبتها، لأن السؤال الحقيقي سيكون: «ليش؟ إمبارح ما كنت مبسوطة؟».
وأحيانًا تبدأ الكارثة من حركة صغيرة جدًا. واحد يفتح «واتساب» ويكتب لصاحبه: «وينك؟»، فيرد عليه صاحبه بعد ساعتين: «بالبيت». فيقول له: «طيب». ومن كلمة «طيب» تبدأ حرب باردة، ثم زعل، ثم حظر، ثم تدخل ثلاثة أصدقاء للإصلاح، وفي النهاية لا أحد يعرف أصل المشكلة، ولا لماذا كان السؤال أصلًا «وينك؟».
وأثر الفراشة في حياتنا اليومية أخطر من هيك. تأخر خمس دقائق عن موعد، يجعلك تفوّت الباص، فتأخذ تاكسي، فتلتقي بالسائق الذي يحكي لك عن ابن عمه، وابن عمه يعرف شخصًا في دائرة حكومية، وهذا الشخص يعرف موظفًا يستطيع أن ينجز لك معاملة كنت تؤجلها منذ خمس سنوات.
يعني لو وصلت في الموعد، كان راحت عليك المعاملة! وأحيانًا الواحد يقرر صباحًا أنه لن يصرف من جيبته ولا قرش. يخرج من البيت، يشاهد شاورما، يقول: «والله ما بدي». بعدها يشاهد عصيرًا، ثم قهوة، ثم كنافة صغيرة «بس للتذوق». يرجع على البيت آخر النهار ويكتشف أن قراره الاقتصادي العظيم انتهى بكارثة مالية تحتاج إلى مؤتمر دولي.
حتى الكلمة لها أثر فراشة. كلمة طيبة ممكن تغيّر يوم إنسان كامل، وكلمة مستفزة ممكن تخرب يومه، وأحيانًا كلمة واحدة من شخص لا تعرفه تظل في رأسك عشرين سنة. لهذا أنا صرت أخاف من الأشياء الصغيرة. أخاف من «صباح الخير»، ومن «بس سؤال»، ومن «تعال دقيقة»، ومن «ما بدها غير خمس دقايق». لأنني أعرف أن وراء كل واحدة منها احتمالًا كبيرًا أن تضيع مني ساعتان، أو مبلغ من المال، أو أعصابي، أو الثلاثة معًا.
والأغرب أننا نبحث دائمًا عن الأحداث الكبيرة التي غيّرت حياتنا، وننسى أن حياتنا في الحقيقة بنت التفاصيل الصغيرة: مكالمة رددنا عليها، ومكالمة لم نرد عليها، باب دخلناه، وباب خفنا أن ندخله، وشخص قلنا له «نعم»، وآخر قلنا له «لا».
يمكن فعلًا تكون الفراشة رفرفت بجناحها في الصين، لكنني متأكد أن عندنا واحدًا في الحارة قال كلمة من وراء ظهر واحد ثاني... والآن نحن جميعًا ندفع ثمن الرفرفة! في النهاية، إذا كان للحياة أثر فراشة، فأنا عندي اقتراح بسيط: قبل أن ترفرف بجناحك، فكر قليلًا. لأنك لا تعرف أين ستصل العاصفة.
وإذا لم تستطع التفكير... على الأقل لا ترسل «طيب»!
ــ الدستور