بيان صبحة : حين تصبح الشجرة عائقًا هل نقتلعها أم نعيد تصميم الرصيف؟
حين تقف شجرة في منتصف رصيف ضيق فيضطر مسنّ إلى النزول إلى الشارع أو تواجه أمّ بعربة طفل صعوبة في المرور أو يجد شخص من ذوي الهمم مساره مغلقًا؛ تصبح المشكلة حقيقية ولا يمكن تجاهلها لكن حين يكون الحل هو اقتلاع الشجرة يبرز سؤال آخر أكثر تعقيدًا ألا وهو هل الشجرة هي المشكلة، أم أن المشكلة في الطريقة التي صُمم بها الرصيف أصلًا؟
بدأت أمانة عمّان الكبرى أعمال إزالة الأشجار التي تشكل عوائق أمام حركة المشاة موضحة أن الهدف توفير مسارات آمنة ومتصلة تراعي احتياجات كبار السن والأطفال والأشخاص ذوي الهمم ومستخدمي عربات الأطفال؛ وفي المقابل أكدت الأمانة أن الأشجار القابلة للنقل يجري نقلها وإعادة زراعتها، وأن معالجة بعض المواقع تتم بالتقليم بدل الإزالة فيما تواصل زراعة ما بين 120 و130 ألف غرسة سنويًا ضمن خطتها لزيادة الرقعة الخضراء في العاصمة.
ومن هنا لا يصح اختزال القضية في الدفاع عن الشجرة أو الدفاع عن الرصيف؛ فكلاهما جزء من المدينة التي نريدها فالشجرة الحضرية ليست عنصرًا تجميليًا فقط بل إنها توفر الظل وتساهم في التبخر وتخفف من الإجهاد الحراري ولذلك أصبحت الأشجار جزءًا من أدوات التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة داخل المدن.
وتدعم الدراسات العلمية هذه الفكرة؛ فقد حللت دراسة منشورة في دورية Communications Earth & Environment نتائج 182 دراسة في 110 مدن ومناطق حول العالم وخلصت إلى أن تأثير الأشجار في التبريد يختلف باختلاف المناخ وشكل المدينة وخصائص الأشجار وطريقة توزيعها وهذا يعني أن التخطيط الحضري الجيد لا يقوم على زراعة أكبر عدد ممكن من الأشجار فحسب؛ وإنما على اختيار المكان والنوع والتوزيع المناسب؛ وفي عمّان تحديدًا تشير دراسة عن تأثير تغير المناخ على استهلاك الطاقة السكنية إلى أن الطلب السنوي على التبريد في منزل نموذجي قد يرتفع 138.5 % بحلول عام 2100 في السيناريو الذي درسَته مع انتقال المناخ المتوقع نحو ظروف أكثر جفافًا وحرارة.
وتأتي أهمية الظل الحضري أيضًا من دراسات ميدانية خارج الأردن؛ ففي دراسة أجريت في ساوث تاكوما بولاية واشنطن الأميركية كانت احتمالية تجاوز عتبات الحرارة المرتفعة خلال النهار أعلى بما يصل إلى خمسة أضعاف في المواقع التي لا يوجد فيها غطاء شجري ضمن 10 أمتار، مقارنة بمواقع ذات تغطية شجرية كاملة وهذه النتيجة لا تعني أن الرقم ينطبق على عمّان، لكنها توضح أثر الغطاء الشجري في البيئة الحضرية.
لذلك، ربما لا تكون المعادلة الصحيحة «المشاة أم الأشجار»، الحل يبدأ من تصميم المدينة نفسها توفير ممر صافٍ آمن للمشاة، وإعادة تصميم أحواض الأشجار، وتوسيع الأرصفة حيث تسمح المساحة واختيار الأنواع الملائمة، والتقليم أو النقل قبل الإزالة كلما كان ذلك ممكنًا.
فالمدينة القادرة على التكيف مع المناخ ليست مدينة بلا أشجار وليست مدينة تتجاهل احتياجات المشاة، إنها المدينة التي لا تجعل الإنسان والشجرة خصمين في المكان نفسه؛ وفي النهاية ربما لا يكون السؤال هل نقتلع الشجرة أم نُبقيها؟ بل لماذا صممنا الرصيف بطريقة جعلتنا نعتقد أن علينا الاختيار بين الاثنين؟!
ــ الدستور