د. عبد الفتاح الحايك : خطاب الملك في الأمم المتحدة.. صراحة القيادة وصلابة الموقف
في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، وقف جلالة الملك عبدالله الثاني أمام العالم في الجلسة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، حاملاً موقف الأردن بثقة ووضوح، ومؤكداً أن الدبلوماسية الأردنية لا تقوم على الصمت أو المساومات على الثوابت، بل على قول الحقيقة والدفاع عن الأمن والسلام والعدالة.
قوة الخطاب الملكي لم تكن في ارتفاع نبرة الحديث، وإنما في وضوح الرسالة وجرأة تسمية المخاطر بأسمائها. فقد وضع جلالة الملك القضية الفلسطينية في قلب المشهد، محذراً من أن استمرار الاحتلال، وتوسّع الاستيطان، وتهجير الفلسطينيين، وفرض وقائع جديدة على الأرض، لا يمكن أن تبقى تحت عناوين مؤقتة أو أن تتحول مع مرور الزمن إلى أمر واقع مقبول، وأكد أن احترام القانون الدولي لا يمكن أن يكون انتقائياً، وأن فقدان الثقة بقدرة المجتمع الدولي على تطبيق قواعده يهدد النظام الدولي بأكمله.
ومن المنظور العسكري والأمني، فإن الموقف الأردني ليس منفصلاً عن حماية الدولة وحدودها وأمنها الوطني، فالأردن يقع في قلب إقليم مضطرب، وتداعيات الحروب لا تتوقف عند حدود الدول التي تشهدها، بل تمتد إلى أمن الحدود، وحركة التجارة والطاقة، والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. وقد أكد جلالة الملك في لقاءاته بنيويورك أهمية دعم أمن واستقرار دول المنطقة وسيادتها، والتحذير من محاولات فرض وقائع جديدة في القدس والضفة الغربية وغزة.
أما اقتصادياً، فقد حمل الخطاب قراءة تتجاوز حدود السياسة التقليدية؛ فالحروب ليست دماراً عسكرياً فقط، وإنما تضرب الطاقة والتجارة والاستثمار والغذاء والأسواق وحياة المواطنين، وأشار جلالة الملك إلى أن آثار الاضطرابات الإقليمية يمكن أن تصل إلى الأسر في مختلف أنحاء العالم من خلال ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الغذائية واضطراب التجارة والاستثمار، وهذا يوضح أن حماية الأمن الوطني الأردني تعني أيضاً حماية الاقتصاد الوطني من ارتدادات الأزمات الإقليمية.
وتبقى المياه جزءاً أساسياً من مفهوم الأمن الوطني الأردني؛ فالموارد المائية المحدودة ليست قضية خدمية فحسب، وإنما قضية استراتيجية ترتبط بالأمن الغذائي والزراعة والاستقرار الاقتصادي ومستقبل الأجيال، وقد ظل جلالة الملك يضع شح المياه والأمن الغذائي والتغير المناخي ضمن التحديات التي تحتاج إلى تعاون دولي حقيقي، وهو ما يعكس إدراكاً بأن موارد الدولة الحيوية يجب أن تكون في صميم حسابات الأمن الوطني.
وفي القدس، تتجلى خصوصية الدور الأردني بصورة أكثر وضوحاً. فالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية ليست عنواناً سياسياً عابراً، وإنما مسؤولية تاريخية ودينية ووطنية أكدها جلالة الملك مراراً أمام المجتمع الدولي. كما أن الأردن يرفض المساس بالوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
إن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة يمكن قراءته باعتباره رسالة دولة تعرف مصالحها، وتدرك مصادر الخطر، وتتمسك بثوابتها دون أن تغلق أبواب الدبلوماسية، فالأردن كما أكد جلالته، دولة يمكن للعالم الاعتماد عليها، متمسكة بمبادئها وكلمتها، ومستعدة للحوار والعمل مع كل من يسعى إلى السلام.
ومن هنا، فإن الإشادة بموقف جلالة الملك ليست مجرد إشادة بخطاب سياسي، بل تقدير لمنهج أردني يجمع بين القوة العسكرية في حماية الوطن، والدبلوماسية في الدفاع عن مصالحه، والوعي الاقتصادي في مواجهة تداعيات الأزمات، والتمسك بالقدس والمقدسات، والوقوف إلى جانب الحق الفلسطيني.
لقد تحدث جلالة الملك من منبر الأمم المتحدة بلغة أردنية واضحة بأن السلام لا يعني التنازل عن الحقوق، والدبلوماسية لا تعني الضعف، والانفتاح على العالم لا يعني التخلي عن الثوابت، وهذه هي الرسالة التي يواصل الأردن حملها في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ المنطقة.