اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

الدكتورة دانييلا القرعان : ماذا يمنع قانونياً أن يكون في الأردن أرشيف وطني مفتوح؟

الدكتورة دانييلا القرعان : ماذا يمنع قانونياً أن يكون في الأردن أرشيف وطني مفتوح؟
أخبارنا :  

ليس السؤال هنا عن كشف أسرار الدولة التي ما زالت تمس الأمن الوطني، ولا عن نشر وثائق عسكرية أو أمنية يمكن أن يضر كشفها بمصلحة الأردن فالسؤال أبسط وأعمق في الوقت نفسه: ماذا يمنع قانونياً بأن يكون للأردن أرشيف وطني مفتوح، وتُتاح فيه الوثائق التاريخية بعد انقضاء مدد زمنية محددة، حتى يعرف الأردنيون كيف صُنعت القرارات في المراحل التي سبقتهم؟


أود بدايةً أن أقول أن الأردن ليس بلا تشريع في هذا المجال، فقد صدر قانون الوثائق الوطنية رقم 9 لسنة 2017 واعتبر أن الوثيقة الوطنية العامة ملكاً للدولة، ونظم انتقال الوثائق من مرحلة وثائق جارية إلى وسيطة ثم نهائية معدة للحفظ الدائم، كما أناط بدائرة المكتبة الوطنية إعداد الوثائق النهائية وتهيئتها بما يسهل الاطلاع والرجوع إليها، ولديه كذلك (الأردن)، قانون ضمان حق الحصول على المعلومات رقم 47 لسنة 2007، هذا القانون لا يتحدث فقط عن حق المواطن في طلب المعلومات بل أيضاً عن فهرس وتنظيم الوثائق، كما نص أن مجلس الوزراء يصدر نظاماً يحدد الوثائق المحمية التي يجوز الكشف عنها بعد أن يمضي على حفظها مدة لا تقل عن ثلاثين سنة، وهذه نقطة شديدة الأهمية تعني بأن فكرة إتاحة الوثائق القديمة ليس غريباً عن التشريع الأردني أصلًا، لكن ما نحتاجه هو الانتقال من مفهوم حق الحصول على معلومة إلى مفهوم أوسع هو حق المجتمع في معرفة تاريخه الوثائقي، الطلب الفردي للحصول على معلومة يضع المواطن أمام الإدارة طالباً وثيقة بعينها، وقد يواجه باستثناءات متعلقة بالوثائق المصنفة أو الدفاع الوطني أو أمن الدولة أو السياسة الخارجي، وغيرها، هذا أمر مفهوم في الدولة، أما الأرشيف الوطني المفتوح، فهو فلسفة مختلفة: هو بأن تقوم الدولة، ومن تلقاء نفسها، وبعد انتهاء المدة القانونية للسرية، بنقل الوثائق التاريخية لأرشيف متاح للباحثين والمواطنين، مع استثناء محدد ومبرر، بدلاً من أن يبقى المواطن مضطراً إلى معرفة وجود الوثيقة أولاً ثم بطلبها، وهذا هو الفرق بين الشفافية عند الطلب والشفافية الاستباقية، الأردن بدأ بالفعل التحرك في هذا الاتجاه؛ في عام 2025 طُرحت للاستشارة العامة مسودة نظام حفظ الوثائق الوطنية، ونصت على تسجيل الوثائق الوطنية النهائية في سجل وطني، وتنظيم مدد استبقائها، وإدارة الوثائق الوسيطة وإتاحتها عند الطلب، وترحيل المحفوظات إلى دائرة المكتبة الوطنية، إذن، لا يبدو هناك مانع قانوني من حيث المبدأ أمام بناء أرشيف وطني مفتوح؛ بل المنظومة التشريعية القائمة توفر أساساً يمكن البناء عليه.


ما نحتاجه هو قرار تشريعي واضح يحدد مثلاً الوثائق التي مضى عليها 30 سنة تُراجع لرفع السرية عنها، وما مضى عليه 50 سنة يصبح الأصل فيه الإتاحة، وما تجاوز 75 أو 100 سنة لا يبقى سرياً إلا بقرار معلل ومحدد المدة، مع إبقاء الاستثناءات المتعلقة بالأمن الوطني وحقوق الأفراد والعلاقات الدولية وغيرها، وليس المقصود أن تصبح كل وثيقة متاحة آلياً بمجرد مرور الزمن، حتى أكثر الدول انفتاحاً تحتفظ باستثناء، لكن الأصل ينبغي أن يكون بالإتاحة، والاستثناء هو السرية، وأن تكون السرية محددة المدة وقابلة للمراجعة، لا أن تبقى الوثيقة مغلقة إلى أجل غير معروف.


إن فتح الأرشيف لا يعني محاكمة الحكومات السابقة، ولا تشكيك في الدولة، ولا البحث عن أخطاء المسؤولين، بالعكس، إن الدولة الواثقة من تاريخها لا تخشى أن يقرأ أبناؤها وثائق ذلك التاريخ. وقد يكتشف الباحث أن قراراً كان موضع انتقاد في زمانه كان له سبب لم يكن معروفاً، وقد يكتشف العكس أيضاً، وفي الحالتين نحن أمام فائدة واحدة: معرفة الحقيقة كما تسمح بها الوثائق، لا كما تسمح بها الذاكرة والروايات المتداولة، فالمسؤول قد يغادر منصبه، وقد يمضي جيل كامل، وقد يتوفى أصحاب القرار، لكن الوثيقة تبقى شاهداً، ولهذا، فإن الأرشيف الوطني المفتوح ليس ترفاً أكاديمياً يخص المؤرخين وحدهم؛ بل إنه جزء من الذاكرة الوطنية، ووسيلة لتعليم الأجيال كيف تشكل الأردن، كيف اتخذت قراراته الكبرى، وما الذي كان معروفاً لصانع القرار، وما الذي كان متاحاً للمواطن في ذلك الوقت.


لقد خطا الأردن خطوة مهمة بإقرار قانون الوثائق الوطنية بإقرار حق الحصول على المعلومة، وجود دائرة المكتبة الوطنية، وجود مجلس المعلومات، كما بدأت الجهات الحكومية تتحدث اليوم عن الإفصاح الاستباقي وتعزيز الشفافية، الخطوة التالية التي تستحق النقاش هي: لماذا لا نكمل الطريق؟ ولماذا لا يكون للأردن أرشيف وطني رقمي مفتوح، يبدأ بالوثائق التي انتهت الحاجة الأمنية أو الإدارية إليها، ويضع جدولاً زمنياً واضحاً لمراجعة الوثائق القديمة ورفع السرية عنها، مع حماية ما يجب أن يبقى محمياً؟ إن معرفة الأردنيين بتاريخ دولتهم ليست تهديداً للدولة؛ بل يمكن أن تكون تعزيزاً للثقة بها، فالدولة التي تحفظ وثائقها ثم تتيحها لأبنائها بعد انتهاء أسباب السرية، تقول للأجيال القادمة ببساطة: هذه وثائقنا، هذا هو تاريخنا، اقرؤوه كما هو، واحكموا عليه بأنفسكم، هذا في جوهره، ليس ضد الديمقراطية والشفافية؛ بل هو أحد أشكالها.


مواضيع قد تهمك