عمر سالم خريسات : هوية الدولة
«الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية»؛ و ليس هذا تزيينًا لمقدمة الدستور، بل تحديد لهوية الدولة وإطارها الحضاري، وهي هوية تتعانق مع شرعية النظام الهاشمي، بجذوره العربية الإسلامية وانتسابه إلى بيت النبوة. ولذلك، فإن فصل الدولة عن الإسلام ليس دفاعًا عن مدنيتها، بل اقتطاع لها من تاريخها وشرعيتها، وإعادة تقديمها جهازًا إداريًا بلا روح ولا ذاكرة ولا مرجعية.
إن نقد توظيف الدين سياسيًا حق مشروع، لكن اتخاذه ذريعة لاتهام كل اعتراض ديني أو أخلاقي بأنه متاجرة بالدين ومناكفة للدولة مغالطة كبيرة. فانتقاد حفل أو مهرجان لما يصاحبه من مظاهر تناقض قيم المجتمع لا يهشم صورة الدولة؛ لأن الدولة أكبر من منصة وأرسخ من مناسبة ترفيهية. وما يسيء إليها حقًا هو إقحامها في مواجهة مصطنعة مع شعبها، وتصويرها حارسًا للتجاوز وخصمًا لمن ينتقده.
ويزداد الخلل حين يُضخَّم حضور تيارات الإسلام السياسي، ويُصوَّر كل موقف ديني أو أخلاقي كأنه صادر عنها؛ فهذا يمنحها تمثيلًا لا تملكه، ويصادر استقلال الأردنيين في مواقفهم. فليس كل متدين إخوانيًا، ولا كل غيور على قيم المجتمع حزبيًا. كما يحمل هذا الخلط خطرًا أمنيًا؛ لأنه يوسع دائرة الاشتباه، ويمزج بين الانتماء التنظيمي والتعبير المجتمعي المشروع، ويعمق الاستقطاب بدلًا من تعزيز الثقة بين الدولة ومواطنيها.
وقد نصت المادة 6/4 من الدستور على أن «الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن». فالدين والأخلاق ليسا عبئًا على الدولة، بل أساسان دستوريان للمجتمع. ومدنية الدولة لا تعني سلخها من هويتها أو استنساخ نموذج علماني غريب عنها، وإنما تعني سيادة القانون والمؤسسات والمواطنة. وهي في الأردن مدنية عربية إسلامية هاشمية، تستند إلى موروث من الحشمة والمروءة والكرامة، ولا تناقض بين مدنيتها وإسلامها.
نعم، ثمة من يتاجر بالدين، كما أن ثمة من يتاجر بالمدنية والحرية والوطنية؛ وكما لا يجوز لحزب أن يحتكر الإسلام، لا يجوز لاحد أن يحتكر تفسير الدولة المدنية، أو أن يجعل قبول المجون معيارًا للاعتدال والولاء. فالدولة التي دينها الإسلام لا تحتاج إلى من يحميها من الإسلام، وحمايتها لا تكون بإسكات المتدينين، بل بصون الحرية ضمن القانون، واحترام هوية المجتمع، ومواجهة الاستغلال الحزبي دون محاصرة الدين نفسه.