سمير حمدان - بودابست : الخطر ليس إيران، بل فراغها .. من يحرس هرمز إذا سقطت الدولة؟
قد يكون أكثر ما يربك العقل السياسي في الخليج أن السيناريو الذي يبدو مريحًا في نشرات الأخبار، إيران أضعف، قد يكون في الواقع الأكثر كلفة في غرف التخطيط، فالدولة الخصم، مهما اشتدت خصومتها، لها عناوين ومؤسسات وحدود وحسابات، يمكن ردعها أو محاصرتها أو التفاوض معها، أما الدولة التي تفقد مركزها، فتتحول إلى سؤال مفتوح لا يملك أحد إجابته، من يسيطر على السلاح، ومن يحرس المضيق، ومن يدفع الفاتورة حين تتوزع السيادة بين الحرس والمهربين والأقاليم والقوى الخارجية .
لهذا لا ينبغي الخلط بين تغيير نظام سياسي وتفكيك دولة، النظام الإيراني، ككل نظام، قابل للضغط والتحول والتبدل، أما إيران فهي كتلة جغرافية وسكانية وحضارية تمتد من بحر قزوين إلى الخليج، وتصل العراق وآسيا الوسطى والقوقاز وشبه القارة الهندية، وتقف على الضفة الأخرى من هرمز، لا تستطيع أي عاصمة خليجية أن تختار هذه الجغرافيا أو تلغيها، لكنها تستطيع أن تقرر إن كانت ستتعامل معها بعقل الجار الصعب أم بوهم أن الفراغ سيبقى خاليًا إلى أن ترتاح المنطقة .
المفارقة أن انهيار المركز لا يضعف بالضرورة مصادر التهديد، بل قد يحررها من القيود، الدولة الضعيفة تفقد احتكار القوة قبل أن تفقد خطابها، وعندها قد تتحول الصواريخ والموانئ والحدود والسواحل إلى أدوات تفاوض بيد فاعلين لا يمكن ردعهم بالطريقة نفسها، تجربة العراق بعد ٢٠٠٣، وسوريا بعد ٢٠١١، وليبيا بعد ٢٠١١، ليست نسخًا قابلة للاستنساخ على الحالة الإيرانية، لكنها تقدم الدرس الأوضح، إسقاط رأس السلطة لا يصنع تلقائيًا دولة جديدة، بل قد يطلق سباقًا طويلًا على ميراث الدولة .
هناك ثلاثة مسارات يجب التفريق بينها، الأول، انتقال سياسي منضبط يحافظ على الجيش والإدارة ووحدة القرار، وهو المسار الأقل كلفة والأكثر قابلية لاستعادة التوازن، الثاني، إنهاك بطيء للدولة يبقي مؤسساتها قائمة اسمًا لكنه يوسع اقتصاد الظل والتنافس بين مراكز القوة، وهذا أخطر مما يبدو لأنه يخلق هشاشة ممتدة بلا لحظة انهيار واضحة، الثالث، تفكك سريع يفتح المجال أمام صراعات أطراف، وتدخلات دولية، وتهديد الملاحة والطاقة، وهو المسار الذي لا يربح فيه أحد، حتى من يظن أنه بدأه من موقع القوة .
والتحدي الخليجي ليس عسكريًا فقط، هرمز ليس ممرًا محليًا، بل عقدة عالمية، عبره في عام ٢٠٢٥ نحو ٢٠ مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات، أي قرابة ربع تجارة النفط البحرية العالمية، وفق وكالة الطاقة الدولية، إذا تراجعت قدرة الدولة المقابلة على ضبط ساحلها ومجالها البحري، فلن يكون السؤال كم ناقلة عبرت اليوم، بل من يملك قرار السماح لها بالعبور غدًا، عندئذ تصبح أي حادثة بحرية صغيرة قادرة على استدعاء قوى كبرى، وتتحول المنطقة من ساحة تنافس إقليمي إلى منصة اختبار للاقتصاد العالمي كله .
الاستنتاج ليس أن على الخليج أن يطمئن إلى إيران أو يتخلى عن الردع، العكس صحيح، الردع ضرورة، لكنه لا يكفي إن لم يُربط بدبلوماسية تمنع سوء التقدير، وبقنوات اتصال وقت الأزمات، وبحماية مشتركة للممرات، وببناء قدرة عربية على إدارة الصدمات في الطاقة والغذاء والتمويل، القوة التي لا تفتح بابًا سياسيًا قد تؤجل الانفجار، لكنها لا تمنع أسبابه، والحوار الذي لا تحميه قوة يتحول إلى وقت مستعار .
وليست الحكمة في إدارة الخوف وحده، بل في تحويله إلى سياسة استباقية تعرف أين تنتهي العقوبة وتبدأ الفوضى، وأين يجب أن يتقدم التفاوض كي لا يتقدم منطق الانهيار على حساب الجميع .
لهذا تحتاج دول الخليج إلى استراتيجية، تنويع التصدير، توسيع المخزونات، تطوير أمن بحري إقليمي، وإبقاء العراق ساحة وصل لا تصفية حسابات، فكلما ضعفت الدول المركزية، ازدادت قيمة الدول القادرة على إنتاج الاستقرار لا استيراده .
السؤال الحقيقي إذن ليس من سيربح المواجهة مع إيران، بل هل ستخرج المنطقة من أي تحول فيها بدولة يمكن مخاطبتها أم بأراضٍ تتحدث فيها بنادق كثيرة، الجغرافيا لا تعرف الأصدقاء والأعداء كما تعرفهم الخطب، إنها تعرف الممرات والحدود والفراغات، ومن يراهن على فراغ جار كبير قد يكتشف، متأخرًا، أن الفراغ لا يسكنه السلام، بل يسكنه دائمًا أول من يصل إليه .